كاملة وممتعه

جابلي ضرة

لمحة نيوز

اسمي هناء.
وعندي 42 سنة.
ولو حد سألني إمتى بدأ ۏجعي الحقيقي، مش هقول يوم ما جوزي سامي اتجوز عليا.
لأ.
ۏجعي بدأ قبلها بسنين.
يوم ما بطلت أبقى شريكة في حياته، وبقيت مجرد جزء من الروتين اللي متعود عليه.
أربع عشرة سنة جواز.
أربع عشرة سنة كنت فيها الزوجة اللي بتصحى قبل الكل.
وتنام بعد الكل.
وتشيل البيت والعيال والمسؤوليات.
أربع عشرة سنة شفت فيها أيام محدش يتخيلها.
لما اتجوزت سامي، ماكانش معاه غير مرتب بسيط وشقة إيجار قديمة في الدور الرابع من عمارة متهالكة.
فاكرة يومها وأنا طالعة السلم وأنا شايلة جهاز العروسة مع أمي وأخواتي.
كانت الشقة صغيرة جدًا.
أوضتين وصالة.
والدهان واقع من الحيطان.
لكن كنت فرحانة.
لأن الإنسان ساعات بيبقى مقتنع إن الحب يقدر يبني دنيا كاملة.
وأنا كنت بحب سامي فعلًا.
حب كبير.
حب خلاني أبيع جزء من دهبي بعد أول سنة جواز لما خسر فلوس مشروع صغير كان داخل فيه مع واحد صاحبه.
وقتها كان قاعد على الكنبة حاطط إيده على وشه.
وقال بصوت مكسور
ضاعت يا هناء.
قعدت جنبه.
وقلت
الفلوس بتتعوض.
بصلي وقال
إنتِ مش فاهمة.
إحنا علينا ديون.
وأنا مش عارف هسددها إزاي.
ساعتها دخلت أوضة النوم.
وطلعت علبة الدهب.
وحطيتها

قدامه.
افتكر إني بهزر.
لكن لما فهم إني بتكلم جد، دموعه نزلت.
وقال
لأ.
مش هعمل كده.
قلت
هنبيع النهاردة ونشتري أحسن منهم بكرة.
المهم نقف على رجلينا.
وفعلًا بعنا الدهب.
وسدد الديون.
وعدت الأزمة.
بعدها بسنين طويلة كان سامي كل ما حد يمدحه قدامي يقول
لولا هناء ماكنتش بقيت حاجة.
وكنت أفرح.
مش علشان المدح.
لكن علشان كنت حاسة إنه مقدر.
الأيام جرت.
وخلفنا أولادنا التلاتة.
يوسف.
وسلمى.
ومروان.
والبيت كبر.
والشركة كبرت.
وسامي بقى صاحب اسم معروف.
وبدل ما يشتغل عند الناس
بقى عنده ناس بتشتغل عنده.
المشكلة إن النجاح ساعات بيغير ناس.
ببطء.
ومن غير ما ياخدوا بالهم.
في الأول بقى مشغول أكتر.
بعدها بقى يقعد برا البيت أكتر.
بعدها بقى يتكلم أقل.
ويضحك أقل.
ويبصلي أقل.
وفي يوم كنت بحضر الغدا.
ولاحظت إنه قاعد قدام المراية.
بيصبغ شعره.
استغربت.
لأن عمره ما عملها قبل كده.
ضحكت وقلت
مالك؟
هتتجوز ملكة جمال؟
ضحك وقتها.
لكن الضحكة كانت غريبة.
وقال
الواحد لازم يهتم بنفسه.
ما أخدتش بالي وقتها.
لكن دلوقتي لما أفتكر الموقف
أفهم إنه كان بداية كل حاجة.
الشهور اللي بعدها بقت مليانة توتر.
حماتي بقت تلمح.
وأخته بقت تتكلم بطريقة غريبة.
وكلام
كتير كنت أسمعه وأسكت.
لحد اليوم اللي رجع فيه سامي من الشغل.
وقعد قدامي.
وقال
عايز أتكلم معاكي في موضوع.
من نبرة صوته عرفت إن في مصېبة.
قلت
خير؟
فضل ساكت ثواني.
وبعدين قال
أنا ناوي أتجوز.
حسيت إن الدنيا كلها وقفت.
كأن الساعة بطلت تمشي.
والهوا اختفى من الأوضة.
بصيتله.
مستنية يضحك.
أو يقول إنه بيهزر.
لكنه كان جاد.
للغاية.
فضلت باصة لسامي ثواني طويلة.
ثواني حسيتهم سنين.
يمكن كنت مستنية يضحك.
أو يقول إنه بيهزر.
أو حتى يعتذر ويقول إنه متضايق من حاجة وبيطلع غضبه في كلام فارغ.
لكن مفيش حاجة من دي حصلت.
كان قاعد قدامي بمنتهى الهدوء.
وكأنه بيكلمني في موضوع شغل.
أو بيبلغني بمعاد كشف عند الدكتور.
مش بيقولي إنه ناوي يهدم أربعة عشر سنة من عمري.
قلت بصوت مبحوح
إنت بتقول إيه؟
قال وهو بيتجنب يبصلي
اللي سمعتيه.
بعد العمر ده كله؟
العمر ده كله ما يمنعش إن الإنسان يفكر في حياته.
ضحكت.
ضحكة قصيرة موجوعة.
حياتك؟
وأنا كنت إيه طول السنين دي؟
رفع عينه أخيرًا.
وقال
كنتِ زوجة محترمة.
الجملة وجعتني أكتر من أي إهانة.
لأنها كانت جملة نهاية.
جملة حد بيقفل ملف.
مش جملة راجل بيكلم مراته.
قلت
وعيالك؟
عيالي هيفضلوا عيالي.
وأنا؟
سكت.
وسكوته
كان إجابة.
في الليلة دي ما نمتش.
ولا هو نام.
كل واحد في أوضة.
وكل واحد في عالم.
لكن الفرق إن عالمي كان بيتكسر.
وعالمه كان بيبدأ من جديد.
أو هكذا كان متخيل.
في الأيام اللي بعدها بدأت الحقيقة تظهر واحدة واحدة.
البنت اسمها رانيا.
عندها سبعة وعشرين سنة.
أصغر مني بخمستاشر سنة تقريبًا.
شغالة في شركة بتتعامل مع شركته.
وأهله كانوا عارفين.
كلهم.
حماتي.
وأخته.
وأخوه.
وحتى بعض القرايب.
الوحيدة اللي كانت عايشة في الضلمة
كنت أنا.
أكتر حاجة وجعتني ما كانتش الجوازة نفسها.
اللي وجعني إن ناس كنت بخدمهم وأفتح لهم بيتي وأطبخ لهم وأشيل همهم
كانوا عارفين وساكتين.
لما واجهت حماتي قالت بمنتهى البساطة
يا بنتي ده حقه.
حقه يجرحني؟
محدش چرحك.
وأنا؟
إنتِ كبرتي.
الجملة نزلت عليا زي السکينة.
كبرتي.
كأن العمر چريمة.
وكأن السنين اللي ضاعت في خدمة البيت والعيال بقت تهمة.
رجعت البيت يومها.
وقفلت على نفسي أوضة النوم.
وقعدت أبص في الصور القديمة.
صورة فرحنا.
صورة أول شقة.
صورة يوسف وهو لسه مولود.
صورة سلمى يوم المدرسة.
صورة مروان وهو راكب عجلة.
صور عمر كامل.
وفجأة حسيت إن الصور كلها بتسألني سؤال واحد
هو ده كان يستاهل؟
لكن الحياة ما بتستناش
حد.
وجاء يوم كتب الكتاب.
البيت كان مليان ناس.
وأهله فرحانين.
وأخته بتوزع الحلويات.
وحماتي ماشية كأن ابنها
بيتجوز لأول مرة.
أما أنا
فكنت قاعدة في أوضتي.
سامعة كل حاجة.
كل زغرودة.

تم نسخ الرابط