جزء اول

المواجهة الصامتة ج 1

لمحة نيوز

كان جوزي بيديني كل أسبوع فلوس علشان أدفعها للشغالة... وهو ميعرفش إن الشغالة دي كنت أنا!

في الأول، لما قال لي الجملة دي، افتكرت إن ربنا أخيرًا حنّ عليّا وبص في وشي. تخيلت نفسي، ولأول مرة من سنين طويلة، قاعدة بشرب قهوتي بهدوء الصبح، والبيت حواليا بيتنظف، بتفرج على مسلسلي المفضل، وحاسة بكرامتي كست بيت مرتاحة وليها قيمة. 

كنت فاكرة إن تعب السنين هيهون... لكن أول ما مسكت الظرف في إيدي ولمحت النظرة اللي في عينيه، فهمت إن جوزي مش بيحاول يريحني... "محمود" كان بيعمل لي اختبار، فخ مسموم مرسوم بالمليم.

الحكاية بدأت يوم الاتنين.. محمود رجع من الشغل بوش قاسي ومتجهم، نفس الملامح الرخمة اللي بيلبسها لما يكون ناوي يرمي كلمة مستفزة، ويبقى مستني مني أقف أشكره وأبوس إيده عليها! رمى مفاتيحه على طرابيزة الصالون بعنف، وعينه بتلف في زوايا الشقة بتدوير على أي غلطة، وقال بنبرة فيها تعالٍ: "بصي يا هناء.. أنا فكرت ولقيت إن الشقة دي كبيرة عليكي، وإنتي

بقيتي بتشتكي وتتأوهي كتير من التعب. إحنا محتاجين نجيب واحدة تساعدك في التنظيف والمسح، مش عاوز أشوف كركبة تاني."

في اللحظة دي، أنا كنت هطير من الفرحة! بعد سنين كحت وقهر وسط المسح والغسيل، وتنظيف الحمامات، ولمّ الهدوم اللي مبيخلصش، 

وكسرة الضهر اللي كانت بتنتهي كل يوم بالكلمة المستفزة بتاعته: "هو إنتي بتعملي إيه طول النهار؟ قاعدة بتتمنجهي؟".. حسيت إن باب السما اتفتح لي أخيرًا، وإن حقي رجع لي. بصيت له بابتسامة صافية وقلت له: "يا ريت يا محمود، فكرة حلوة أوي وهتريحني بجد."

تاني يوم الصبح، قبل ما ينزل، سحب من جيبه ظرف أبيض مقفول وحطه في إيدي بكبرياء. قال لي: "دي فلوس الشغالة.. هتجيلك كل أسبوع، والقرش ده مدفوع من قوتي عشان راحتك، فاهمة؟"

فتحت الظرف بعد ما نزل.. المبلغ مكانش خزينة قارون،

 بس كان معقول ويكفي واحدة تيجي يومين في الأسبوع تعمل الشغل الثقيل. بالليل ولما رجع، سألته بلهفة: "تسلم إيدك يا حبيبي.. طيب هي الشغالة دي

هتيجي إمتى؟ وكلمت مين؟"

هنا.. لمحت على وشه ابتسامة غريبة، ابتسامة خبيثة صفرا عمري ما هنساها. قرب مني وقال ببرود: "الموضوع ده يرجع لك إنتي.. شوفي هتيجي إمتى وبراحتك.. المهم عندي إن البيت يفضل نظيف وعلى سنجة عشرة، وأرجع ألاقيه بيبرق."

مفهمتش لغز كلامه وقتها، وقولت يمكن سايب لي حرية الاختيار أدور على معرفتي.. لحد ما جه يوم الجمعة الصدمة!

كنت راجعة من السوق، شايلة الشنط الثقيلة وإيديا وجعاني. وأنا بقرب من باب الشقة، لقيت الباب موارب سنة، وسامعة صوته عالي في الصالة. محمود كان بيتكلم مع أمه (حماتي) "فيديو كول" ومشغل السبيكر.

وقفت مكاني متجمدة لما سمعته بيقول بضحكة لئيمة: "أيوه يا أمي.. نفذت الخطة بالظبط وإديتلها فلوس الشغالة أول الأسبوع.. سايبها بقى عايشة في الوهم، ونشوف الهانم هتعرف قيمة تعب البيت والقرش اللي بيتدفع، ولا هتاخد الفلوس لجيوبها!"

ردت حماتي بضحكة عالية رنت في ودني زي السكينة: "يا ابني دي عمرها ما عرفت تدبر ولا تفهم في

الأصول! أنا عارفاها، أكيد هتطمع في الفلوس وتصرفها على لبس ومكياج وتضحك عليك بالكلمتين بتوعها، وتقولك إنها نظفت بنفسها عشان تلهف القرشين!"

حسيت إن الدم اتجمد في عروقي، ونفسي اتقطع وأنا واقفة ورا الباب. بس الصدمة الأكبر كانت رد جوزي اللي كسر جوايا كل حاجة نظيفة..

 ضحك وقال بأعلى صوته: "ولو نظفت بنفسها ولهفت الفلوس يبقى كسبت برضه يا أمي! أهو على الأقل توفر عليا فلوس الشغالة الحقيقية، وتتحرك وتعمل الشغل وهي ساكتة وبنفس راضية فاكرة إنها بتغفلني! أنا عامل لها الفخ ده عشان أعرف آخرها إيه!"

في اللحظة دي.. الدنيا لفت بيا. فهمت كل حاجة.. السنين اللي ضاعت من عمري مع الراجل ده اتلخصت في لقطة واحدة. هو مكنش بيحاول يساعدني ولا شاري راحتي..

 ده كان عامل لي مصيدة، بيبتز تيت وحرقتي بفلوسه، وبيتريق عليا مع أمه في ضهري.. كان بيدفع لي تمن عرق جبيني وكسرة ضهري في بيتي، وفاكر إنه بيكسر عيني.

ليلتها.. محمود رجع ولقى العشا جاهز، والبيت بيبرق.

بص لي وابتسم بثقة وهو فاكر إنه انتصر.

تم نسخ الرابط