جزء اول
المواجهة الصامتة ج 1
وأنا؟ ماقولتش ولا كلمة.. بصيت له بنظرة هادية وباردة جداً.. نظرة الشخص اللي بيخطط لرد القلم بميت قلم!
الاثنين اللي بعده صحيت من النجمة، قلبي شغال ندب بس عقلي كان صاحي ومخطط لكل خطوة. لمّيت شعري، ولبست الجوانتي الأصفر وكأني داخلة حرب، ونضفت الشقة حتة حتة كأنها أوضة عمليات مِعقمة. دعكت الأرض لغاية ما ضهري اتقوس،
غسلت الشبابيك من التراب اللي كان كاتم على نفسي، عقمت الحمامات، ولمّعت خشب المطبخ ورخامه لدرجة إنه بقى يبرق ويعكس وشي المصدوم. كنت بطلع غلي وحسرتي في كل مسحة ونفضة.
ولما محمود رجع من الشغل بالليل، حط رجله من الباب وبص حواليه بانبهار وذهول، ورجع خطوتين ورا وصَفّر بإعجاب. بص لي وقال بنبرة فيها لؤم وفرحة مكتومة: "لا واضح إن الشغالة الجديدة دي إيدها تتلف في حرير وشاطرة أوي.. البيت ريحته تفتح النفس."
بلعت غصتي، ورسمت على وشي ابتسمت هادية وباردة وقلت:
"أيوه.. شغلها ممتاز ومبتسبش ففوتة، مكنتش متخيلة إنها هتريحني كدة." طلع المحفظة بثقة، وسحب ظرف جديد وحطه على الترابيزة وقال بغرور: "امسكي.. ابقي اديهولها
ومن يومها الموضوع بقى روتين مريب.. روتين أسود. كل أسبوع كان يرمي لي الظرف بفلوس لست مش موجودة في الدنيا أصلًا، وأنا أنزل على ركبي أنضف البيت بنفسي وأموت من التعب، وأروح أخبّي الفلوس زي ما هي بظروفها في علبة جزم قديمة تحت السرير
بعد تلات شهور، كنت مجمعة مبلغ محترم، عمر محمود ما كان يتخيل في أحلامه إني أملك ذكاء أو قدرة إني أوفر قرش واحد منه! كنت بحس بالانتصار كل ما بفتح العلبة.. بس الانتصار ده كان قشرة، والضربة الحقيقية كانت مستنياني ورا الباب.
في يوم، كنت واقفة بمسح طرقة الشقة والهدوء مغطي المكان، وفجأة سمعت حس حركته وصوت همس مريب. المرة دي ماكنتش مكالمة فيديو مع أمه عشان يتريقوا عليا..
الصوت كان واطي، ناعم، وطالع من جوه الحمام الماستر. قربت بخطوات بطيئة زي الشبح، كتمت نفسي وسندت ودني على خشب الباب.. ومحمود كان بيتكلم بلهفة وعشق مقرف مع واحدة ست!
كان بيقولها: "يا حبيبتي ما تقلقيش.. الصبر.. أول ما هناء الهبلة دي تمضي
في اللحظة دي، جردل الممسحة وإزازة المنظف وقعت من إيدي على الأرض.. عملت صوت، بس هو مندمج ومسمعش. قربت أكتر، وضوافري غرزت في حلق الباب وأنا بسمع الجملة اللي جمدت الدم في عروقي وشلت حركتي: "وبعدين الهبلة أصلًا ما تعرفش إن الشغالة شافت الورق كله وعرفت بوجوده.. أنا خايف الشغالة تفتش في المكتب وتاخده وتلوي دراعي بيه!"
وقفت مكاني، نبضات قلبي بقت زي دقات طبول الحرب اللي بتهز الضلوع. "الشغالة شافت الورق كله؟" الجملة دي كانت بتلف في دماغي زي الإعصار، بتمزق كل شعرة غفلة كانت فيا.
محمود الغبي فاكر إن في شغالة بجد بتدخل وتخرج في غيابه! وبما إنه عمره ما بيشوفها ولا بيقابلها، تلاقيه بحكم الإهمال ساب ورق مهم وخطير على مكتبه أو في دولابه، وجاله هوس وشك إن الست الشغالة دي (اللي هي أنا!) شافته وممكن تفضحه، أو تسرقه وتلوي دراعه بيه!
أدركت في اللحظة دي إن اللعبة كبرت ووسعت أوي.. وإن علبة الجزم اللي تحت السرير
فجأة سمعت صوت تكة الموبايل.. محمود قفل السكة ورايح يفتح باب الحمام. بسرعة البرق رجعت للمطبخ، مسكت الفوطة وعملت نفسي بمسح الرخام بهستيريا وإيديا بترتعش من الصدمة والغضب. طلع من الحمام، ملامحه كانت متوترة وبص لي بنظرة كلها برود وعينه بتجيب يمين وشمال وقال لي: "إيه يا هناء.. هي الشغالة جت النهاردة ونظفت ولا لسه ما شرفتش؟"
بلعت ريقي بصعوبة، ولفيت له وبصيت في عينيه بثبات انفعالي وجبروت عمري ما تخيلت إني أملكه في حياتي، وقلت له بكل برود وهدوء: "آه.. جت ونظفت الأوضة الجوانية والمكتب، ومشيت قبل ما إنت تدخل الحمام بـ خمس دقايق بالظبط!"
بلمح البصر، وش محمود جاب ألوان.. الأزرق في الأصفر في الأحمَر! ملامحه اتمطت، وعينه زاغت بشكل مرعب، وبدون ولا كلمة جري على أوضة المكتب بتاعته كالمجنون يفتح الأدراج.
عرفت ساعتها إن السهم صاب في مقتل، وإن اللعبة بقيت على المكشوف.. وبدأت رسميًا رحلة البحث
تابع للجزء الثاني