دروس من الحياه
لمّا الدنيا تعلمنا 1 بقلم نرمين همام
لمّا الدنيا تعلمنا 1 بقلم نرمين همام
كان يوم خريفي برده قارس. نزلت أمشي مع يوسف ابني، لفيته في بطانية صغيرة وحطيته في حضني. الهوا كان بيقرص والبرد كان صعب. فجأة بدأ يعيط، كنت عارفة إنه جعان ومحتاج يرضع.
لفيت عيني أدور على مكان أستخبى فيه، لقيت كوفي شوب صغيرعلى ناصية الشارع. دخلت بسرعة وأنا حاسة بدق قلبي.
قربت من الكاونتر وقلت للولد اللي واقف:
لو سمحت، كباية قهوة.
أخدت الكباية، وبصوت واطي سألته:
هو في حمّام هنا؟
ببرود أشار على يفطة ورا الباب مكتوب عليها: خارج الخدمة.
قلبي وقع. ما كانش قدامي غير إني ألاقي ركن بعيد. لفيت بدني، لقيت طرابيزة في الآخر وقعدت. غطيتني أنا ويوسف بالبطانية، وبدأت أرضّعه.
لكن فجأة حسيت العيون كلها عليا. ست قاعدة مع جوزها همست له وبصتلي كأني بعمل عيب. شابين ورانا
وفجأة جه المدير. كان راجل أصلع، عامل نفسه مهم. وقف قدامي رافع دراعاته وقال بصوت عالي:
إنتي بتعملي إيه هنا؟ ما ينفعش الكلام ده جوة القهوة.
رديت وأنا مرعوبة:
يا أستاذ، الدنيا برد برّه، والواد مش هيعرف يستحمل. خمس دقايق بس ونسكت.
رفع صوته أكتر:
لا، مفيش خمس دقايق ولا غيره. لو سمحتي امشي دلوقتي، ولا أنا اللي هطردك.
دموعي نزلت من غير ما أقدر أتحكم فيها. حضنت يوسف في صدري، وكنت خلاص هقوم. وساعتها الباب اتفتح فجأة، والبرد دخل مع ضحك عالي.
تلات رجالة دخلوا، شكلهم صحاب. بيضحكوا وبيهزروا. أول ما سمعوا عياط يوسف، سكتوا. بصّوا ناحيتي وشافوا الموقف.
الأطول فيهم، كان لابس جاكيت جلد، مشي ناحيتي بخطوات تقيلة. وقف قدامي، ودار ضهره ليا كأنه بيعمل حيطه. الاتنين التانيين
المدير بص لهم وقال:
خير؟ في إيه؟
الطويل رد بهدوء بس صوته كان تقيل:
فيه أم بترضّع ابنها. وإنت واقف تزعق لها!
المدير اتنرفز وقال:
الكوفي دا مش حضانة. وممنوع الحاجات دي هنا.
واحد من الرجالة التانيين، كان لابس كوفيه، قال له بسخرية:
الحاجات دي؟ هو إنت سامع نفسك؟ دي ست غلبانة ومعاها طفل رضيع. بدل ما تحميها وتسهّل عليها، طالع عينها؟
المدير حاول يثبت نفسه:
القوانين قوانين.
الطويل رد وهو قرب له:
القوانين اللي تمنع أم ترضّع ابنها مكانها الزبالة.
في اللحظة دي يوسف بدأ يرضع بهدوء. أنا كنت ببص عليهم بذهول. قلبي بيرتعش، مش عارفة أقول إيه.
فجأة باب المكتب اللي ورا الكاونتر اتفتح. طلعت ست كبيرة شيك، لابسة بدلة، واضح إنها صاحبة الكوفي شوب.
بصتلي الأول، وبعدين بصّت للمدير. وشها قلب غضب
إيه اللي بيحصل هنا؟
المدير حاول يضحك ابتسامة صفراء وقال:
ولا حاجة يا مدام، الزبونة دي…
قاطعت كلامه بحدة:
اسكت. أنا سامعة كل حاجة.
رجعت بصتلي وقالتلي:
أنا آسفة جدًا على اللي حصل. إنتي وابنك مرحّب بيكم هنا في أي وقت.
رجعت للمدير وقالت له:
أنا حذرتك قبل كده. آخر مرة. شكوى واحدة تانية وهتمشي من هنا على طول.
المدير اتلخبط وقال:
بس دي مكانها الشارع…
صرخت فيه:
قلت آخر مرة!
الرجالة التلاتة كانوا واقفين مبتسمين ليّ، كأنهم بيقولوا لي إن الموضوع خلص.
أنا مسحت دموعي، بصيت ليوسف وهو نايم مطمّن في حضني. لقيت نفسي بقول في سري:
لسه فيه خير. الدنيا مش كلها قسوة. فيه ناس بتختار تكون إنسانية حتى لو مالهمش مصلحة.
اللحظة دي فضلت محفورة في قلبي. مش بس عشان الرجالة وقفوا جنبي، لكن عشان فهمت إن حتى في عز وحدتي،
وبس كدا لانها دروس صغيرة من الحياه
نرمين همام