اسكريبت العيون التي رأت - اعادة صياغه الكاتبه نرمين همام

لمحة نيوز

اسكريبت العيون التي رأت - اعادة صياغه الكاتبه نرمين همام

كانت والدة المليونير تفقد وزنها كل يوم، إلى أن جاء ابنها ورأى ما كانت تفعله زوجته.

هناك وفيات لا تأتي دفعة واحدة، بل تأتي على شكل ملاعق صغيرة. تموت الروح أولًا، ثم الجسد يلحقها كمن يتعثر خلفها ببطء. هكذا كانت تشعر أيام السيدة تريسا أرياغا، والدة ماوريسيو، رجل الأعمال المحبوب في كويواكان، إحدى ضواحي مدينة مكسيكو.

كل صباح أمام المرآة القديمة في الممر، كانت ترى شيئًا أقل قليلا من نفسها. الفساتين التي كانت تضيق عليها سابقًا، أصبحت الآن تتدلّى على جسدها الهزيل كأعلام حزينة. بشرتها التي كانت تشع كضوء صباحات الأحد، المليئة برائحة الخبز الحلو، صارت باهتة شاحبة كرخام المطبخ حيث كانت تقضي معظم وقتها وحيدة، تراقب الزمن كعدو غير مرئي.

كان ماوريسيو يكرر أن والدته متعبة، وأن ما يحدث طبيعي مع تقدّم العمر، وكانت زوجته خيمينا تؤكد ذلك بصوت يجمع بين الطمأنة والوخز. كانت تقول بلطف هش إنها هشة يا حبيبي، اتركني أعتني بها. وكان يجيب مطمئنًا تهتمين بها. دون أن يرى السم المختبئ خلف الكلمة.

ما كانت خيمينا تسميه رعاية، كان في الحقيقة سيطرة، وشيئًا من الابتهاج الخفي حين ترى حياة أخرى تصغر أمامها.

وفي ذلك البيت العتيق، ذي الجدران العالية والعوارض الخشبية والأرضية الباردة، كان الزمن يبدو بطيئًا حدّ الاختناق. الساعة المعلّقة في المطبخ كانت تحسب الوقت بصبر مبالغ

فيه، كأن عقاربها تخز الذاكرة. وصوت الملعقة وهي ترتطم بالطبق كان أشبه بأنين.

كانت رائحة الحساء الخفيف تختلط برائحة الأدوية، والعطر الفاخر لخيمينا يمرّ في الممر كظلّ جميل له قلب قاس.

كانت السيدة تريسا تجلس إلى الطاولة، يداها المرتجفتان تستندان على عصاها. وكانت لوبيتا، الخادمة القديمة، تراقبها بعيونٍ تجمع بين الحنان والدعاء، وتعرف كل حركة، كل تنهيدة، كل غياب.

تأتي خيمينا وتضع الطبق بابتسامة خافتة، خافتة إلى حدّ مخيف. وتقول بهدوء: تفضّلي سيدتي، حساءك الخفيف المعتاد. فتهمس العجوز لا شهية لي يا ابنتي. لكن خيمينا ترد فورًا: الطبيب أوصى بذلك. ولم يكن أي طبيب قد أوصى بشيء.

غير أن ماوريسيو، الأعمى بحبه، كان يصدّق كل كلمة. وشيئًا فشيئًا، صار كل يوم يشبه الآخر: زمن بلا أحداث، حياة تُفرغ من معانيها.

وكانت لوبيتا ترى كل شيء: الصحون التي تعود شبه ممتلئة، صوت السيدة تريسا الذي صار أخف، ابتسامة خيمينا المثبّتة كأنها جزء من وجهها. كانت ترى الاختفاء البطيء لإنسانة، وكيف يمكن للجمال المصطنع أن يخفي نية قاتلة.

لم تعد السيدة تريسا تتحدث كثيرًا. كانت قد اعتادت الكلام مع نباتات الحديقة، والضحك بصوت خافت وهي تستمع للراديو، لكن الآن حلّ الصمت مكان كل شيء. صمت ودوار ووجع خفي.

أحيانًا كانت تسأل لوبيتا ما اليوم؟ فتجيب الاثنين يا سيدتي. ودائمًا الاثنين. كأن الأيام كلها فقدت أسماءها، وبقي منها يوم واحد طويل، ثقيل، لا

ينتهي.

اسكريبت العيون التي رأت - اعادة صياغه الكاتبه نرمين همام

ثم سمعت خطوات تنزل من السلالم، فقطعت الاتصال بسرعة وهي تعيد ترتيب ابتسامتها. ظهر ماوريسيو في باب المطبخ، وجهه جامد لا يُقرأ. قال بنبرة لم تسمعها من قبل: نحتاج إلى أن نتكلم.

رفعت خيمينا حاجبيها ببراءة مصطنعة وسألته: في شيء يا حبيبي؟ لكنه لم يقترب. وقف أمامها يشد الهاتف بين أصابعه. قال: شوفي هذا. مدّ لها الهاتف. بدأ الفيديو. وانسكب اللون من وجه خيمينا مع كل ثانية تشاهد فيها نفسها وهي تضع قطرات في الماء.

همست بارتباك: هذا ليس كما يبدو. لكن ماوريسيو قاطعها بحدة: كنت أصدقك في كل كلمة. كل يوم… وأنت كنتِ تقتلين أمي!

حاولت الاقتراب منه، لكنها توقفت حين رأت نظرته. نظرة بلا ذرة ثقة، بل غضب صحوة متأخرة. سألها بصوت منخفض أخطر من الصراخ: لماذا فعلتِ ذلك؟

تنفست خيمينا بحدة، ثم قالت ببرود كشف حقيقتها: كنت محتاجة أزيحها من الطريق. وجودها كان يعطل ما نبنيه… أنت، أنا، مستقبلنا.

شهق ماوريسيو كأنه طُعن. مستقبل؟ هذا اسمه قتل.

اتسعت عينا خيمينا وقالت بلهجة مستعجلة: لن تسلّم الفيديو للشرطة، صحيح؟ يمكننا حل الأمر بيننا.

لكن الصوت الذي قطع اللحظة لم يكن صوت ماوريسيو، بل صوت لوبيتا من باب المطبخ.

قالت بالإسبانية التي عاشتها عمرًا: لقد اتصلت بالإسعاف… واتصلت بالشرطة أيضًا.

استدارت خيمينا عليها بوحشية وسألت: ماذا فعلت؟ لكن لوبيتا رفعت ذقنها لأول مرة

وقالت: ما كان ينبغي أن يُفعل منذ زمن.

وانطلقت صفّارات الشرطة من بعيد، تقترب… وتقترب. حاولت خيمينا الهرب من الباب الخلفي، لكن ماوريسيو أمسك يدها بقوة وقال: انتهى الموضوع.

بعد ساعات، كانت السيدة تريسا في المستشفى، متصلة بالمحاليل، لونها يعود إليها ببطء. كان ماوريسيو يمسك يدها، والندم كله في عينيه. قال بصوت مكسور: سامحيني ماما، لم أرَ الحقيقة.

ابتسمت بصعوبة، ثم همست: لويبيتا… هي التي أنقذتني.

التفت ماوريسيو إلى لوبيتا الواقفة خلفه، ودموعها تكاد تنزل. قال بصوت خافت صادق: أنتِ لست خادمة في هذا البيت… أنت العائلة.

هزت رأسها بخجل، والمسافة بينهم امتلأت أخيرًا بشيء كان غائبًا… الأمان.

وفي البيت، كان الصمت يملأ المكان الذي عاش شهورًا بظلال الخوف. خيمينا حُملت في سيارة الشرطة، وشوارع كويواكان شاهدت نهايتها كما شاهدت بدايتها. كانت الواجهة الأنيقة، الحضور اللامع، يتحول فجأة إلى صفحة مطوية من قصة مظلمة.

ولأول مرة، دقّت الساعة القديمة على الجدار، ليست لحساب موت بطيء… بل بداية حياة جديدة. دقّت بنبرة مختلفة، كأنّ الزمن عاد ليجري، بعد أن كان محبوسًا.

وفي الخارج، كانت أوراق الشجر تتساقط ببطء على الطريق الحجري، كأن شيئًا ما يتنفس أخيرًا.
بيتٌ صغير، امرأة مسنة استعادت نور خدّيها، خادمة لم تعد خادمة، وابن بدأ يتعلم أن الحب ليس ثقة عمياء… بل عين ترى، وقلب يفهم، وكتف يحمل.

البدايات أحيانًا لا تأتي مع الفرح،

بل مع النجاة.
وأحيانًا، يكون أول نفس بعد الخوف… هو الحياة كلها.

تمت

تم نسخ الرابط