قصه قصيرة
حين خان الاب اسمه صياغه ادبيه الكاتبه نرمين همام
داخل شقّة صغيرة ضيّقة، كانت لوسيا تتحرّك ببطء من غرفة إلى أخرى. بطنها صار ضخمًا، مشدودًا وثقيلاً، وجسدها يئنّ مع كل خطوة. ومع ذلك، كانت تتوقّف بين الحين والآخر، تضع يدها على بطنها وتهمس بصوت خافت:
«قليل من الصبر يا حبيبي… فاضل شوية ونشوف بعض».
تحرّك الجنين في رحمها، كأنه يجيبها.
أمّا زوجها، هيكتور، فلم يرفع عينيه عن هاتفه حتى.
ذلك الرجل الذي وعدها يومًا بعمرٍ كامل، وأقسم أنّها محور حياته، تبدّد منذ لحظة حملها. كل ما فيها بات يزعجه: رائحتها، إرهاقها، بطؤها في الحركة. الأمومة لم تُلِن قلبه… بل محت وجودها من عينيه.
الجملة التي كسرتها في تلك الليلة، جلست لوسيا على طرف السرير تطوي ملابس مولودها المنتظر. كل قطعة كانت تشعل في قلبها أملًا صغيرًا: جوارب ضئيلة، بطّانية ناعمة، وقطعة وردية شاحبة.
من دون تمهيد، قال هيكتور ببرود:
«الشهر الجاي هتروحي تولدي عند أمّك في المزرعة».
تجمّدت لوسيا في مكانها.
أكمل بلا اكتراث: «كل حاجة هنا غالية. في البلد يولّدوا بكام بيزو. إنما هنا؟ أقل حاجة عشرة آلاف. مش هرمي فلوسي».
رفعت رأسها
«هيكتور… أنا في التاسع. الطريق طويل، وممكن تحصل مضاعفات».
هزّ كتفيه بلا مبالاة: «دي مشكلتك. هناك في قابلات. وبصراحة أنا زهقت من شكواك طول اليوم».
في تلك اللحظة، انكسر شيءٌ عميق داخلها.
الرجل الذي أحبّته… لم يعد موجودًا.
مُرسلة كأنّها عبء بعد يومين، وقفت لوسيا في محطة الحافلات، تحمل حقيبة قديمة وقلبًا أثقل من جسدها. لم تُجادل، لم تتوسّل.
رحلت بصمت.
الحافلة أخذتها نحو سان كريستوبال دي لا سييرا، البلدة الريفية التي نشأت فيها.
كانت أمّها، دونيا روساريو، في انتظارها. وما إن رأت لوسيا تنزل—شاحبة، منهكة، تضمّ بطنها—حتى جذبتها إلى صدرها وبكت.
«يا بنتي… خلاص، ما تعيطيش. مكانك هنا معايا. وأنا اللي هحميكي».
أومأت لوسيا، غير قادرة على الكلام.
في الجهة الأخرى… «الوريث» في اللحظة التي اختفت فيها لوسيا عن ناظريه، لم يتردّد هيكتور.
توجّه مباشرة إلى كاميلا أورتيغا، سكرتيرته الشابة.
كانت حاملًا هي الأخرى.
ووعدته بولد.
«ولد»، همست بثقة. «زيّك بالظبط».
شعر هيكتور أنّه لا يُقهَر.
«أخيرًا…
المال؟ لم يعد له قيمة.
أدخل كاميلا إلى أفخم مستشفى خاص—سان رافائيل—جناح VIP، ممرّضات خاصّات، وطعام مستورد. قاربت الفاتورة مئة ألف بيزو، ودفعها بفخر.
هذا الطفل يستحق.
صياغه ادبيه الكاتبه نرمين همام
ولادة تباهى بها يوم الولادة، وصل هيكتور متباهياً، يحمل باقة زهور ضخمة.
«ابني اتولد!» كتب في مجموعات الواتساب. «شبهّي!».
انهالت التهاني.
شعر أنّه في القمّة.
لكن القمّة لم تدم طويلًا.
الباب الذي غيّر كل شيء في المساء، طلبت منه ممرّضة التوقيع على بعض الأوراق.
ما زال مبتسمًا، توجّه نحو جناح الحضانة.
فتح الباب.
واختلّ توازنه.
كانت تقف هناك، منتصبة القامة، باردة النظرات.
دونيا روساريو.
حماته.
«س… ستي؟» تمتم. «إنتِ بتعملي إيه هنا؟»
وضعت علبة حليب أطفال على الطاولة وقالت بهدوء قاتل: «جيت أشوف جوز بنتي… والطفل اللي عامل عليه دوشة».
ابتلع ريقه. «في سوء تفاهم… كاميلا مجرد—»
رفعت يدها.
صمت.
أخرجت ظرفًا من حقيبتها، فتحته ببطء: «عارف ده إيه؟ تحليل DNA. طلبته أول ما الطفل اتولد».
نظرت
انهار وجهه.
«مستحيل… كاميلا قالت—»
ضحكت بمرارة: «رميت بنتي عشان كانت شايلة بنت. وبعتها الريف عشان توفّر شوية فلوس. وهنا دفعت ثروة».
اقتربت خطوة: «وفي الآخر؟ بتربّي ابن غيرك».
اشتدّ صوتها: «الدنيا بتاخد حقّها يا هيكتور. وربّنا ما بينامش».
استدارت لتغادر، ثم توقّفت عند الباب: «لوسيا ولدت الصبح. بنت جميلة وصحّتها ممتازة. ومتقلقش… عندها أب».
نظرت إليه نظرة أخيرة: «بس مش إنت».
وأغلقت الباب.
الانهيار سقط هيكتور على الكرسي، رأسه بين يديه.
في الخارج، دوّى بكاء طفل—الصوت نفسه الذي بدا له قبل ساعات نصرًا.
الآن… صار سخرية.
بعد أسابيع، طالبه المستشفى بأكثر من مئة وعشرين ألف بيزو.
كاميلا اختفت.
الشقة صودرت.
الحساب فرغ.
والكبرياء تحطّم.
وفي الجهة الأخرى… سلام في المزرعة، تعافت لوسيا ببطء.
الحقول تلمع تحت شمس العصر. كانت دونيا روساريو تراقب ابنتها وهي تهدهد صغيرتها وتهمس بلحنٍ قديم.
قالت برفق: «شوفتِ يا بنتي؟ الدنيا دايمًا بتحط كل واحد في مكانه. إنتِ عندك حب… وهو ما عندوش غير الندم».
قبّلت لوسيا جبين ابنتها وابتسمت، والدموع في عينيها.
لأوّل مرّة منذ زمن طويل… تنفّست بحرّيّة.
تمت
صياغه ادبيه الكاتبه نرمين همام