المقلب

لمحة نيوز

كانت رائحة المطهّرات تملأ الممرّ الضيق في قسم الطوارئ، مزيج خانق من الكحول والقلق، بينما كانت ليلى ممدّدة على السرير، ذراعها موصولة بالمحاليل، وعيناها نصف مفتوحتين، تحاول أن تلتقط أنفاسها كما يلتقط الغريق الهواء.

جهاز المراقبة بجوارها يطلق صفيرًا متقطّعًا، كأنه يذكّر الجميع بأن الوقت ليس في صالح أحد.

دخل الطبيب، نظر إلى الشاشة، ثم إليها، وقال بصوت حاسم:
– الحمد لله لحّقنا، بس لو كنتي اتأخرتي شوية… كانت دخلت في غيبوبة سكر.

ابتلعت ليلى ريقها بصعوبة، وهمست:
– أنا قلت كده… بس محدش صدّقني.

اعادة صياغه الكاتبه نرمين همام

في الخارج، كانت ندى تقف عند نهاية الممر، تضع يديها في جيب معطفها الأبيض، ملامحها باردة على غير العادة، كأن ما يحدث لا يعنيها. ندى،

الأخت الكبرى، الممرضة، صاحبة الخبرة التي كانت دائمًا تقول إنها تعرف أكثر من الجميع.

دخلت الأم، أمينة، بخطوات مرتبكة، عيناها حمراوان من البكاء، اقتربت من السرير، أمسكت يد ابنتها:
– يا قلبي… يا حبيبتي… أنا قلبي كان هيقف عليكي.

فتحت ليلى عينيها أكثر، نظرت إلى أمها، ثم إلى ندى التي لم تقترب.
– هي فين؟

ردت الأم وهي تتلفت:
– واقفة بره.

جاء صوت ندى من عند الباب، بنبرة خفيفة، أقرب إلى المزاح:
– عاملة إيه دلوقتي؟ كويسة؟

التفتت ليلى إليها ببطء، وفي عينيها شيء انكسر ولم يعد كما كان.
– كويسة؟ بعد ما رميتي الأنسولين؟

ضحكت ندى ضحكة قصيرة، مستفزة:
– يا بنتي خلاص بقى… كان مقلب. كنت عايزة أثبت بس إنك بتكبري الموضوع.

شهقت الأم:
– مقلب؟! مقلب إزاي يعني؟

اقتربت

ندى قليلًا:
– يعني كنت عايزة أشوف رد فعلها… لو مش محتاجة الأنسولين زي ما بتقول، كانت هتعدّي الموضوع عادي.

ضغطت ليلى على السرير محاولة الجلوس، فصرخ الطبيب:
– خليكي مكانك، البوتاسيوم كان واطي بشكل خطير.

صرخت ليلى فجأة، صوتها خرج مبحوحًا لكنه حاد:
– إنتي كنتي هتموتيني يا ندى!
– لا يا ليلى، متبالغيش… مفيش حد بيموت عشان جرعة واحدة.

قالتها ندى بثقة ممرضة تعرف كل شيء، أو هكذا تظن.

دخل الأب، محمود، في تلك اللحظة، وجهه شاحب:
– في إيه؟ حد يفهمني؟

ردت الأم بصوت مرتعش:
– بنتك… بنتك رمت الأنسولين بتاع أختها!

رفع محمود عينيه إلى ندى:
– الكلام ده صح؟

هزّت كتفيها:
– كنت بهزر… وبعدين أنا ممرضة، عارفة اللي بعمله.

ضحك الطبيب بسخرية مكتومة:
– الممرضة اللي تعرف،

عمرها ما تعمل كده.

ساد صمت ثقيل.

بعد ساعات، خرجوا من الطوارئ. ليلى تمشي بصعوبة، وندى سبقتهم إلى الخارج دون أن تلتفت.

بعد يومين، جلست ليلى وحدها في شقتها. المطبخ ساكن. فتحت هاتفها، أعادت تشغيل التسجيل.

الفيديو واضح.
ندى.
إزازتين أنسولين.
الزبالة.
نظرة سريعة للكاميرا.

أغلقت الهاتف، ودموعها لم تنزل.

عندما طلبت إدارة المستشفى شهادتها، لم تتردد. أرسلت الفيديو.

وفي البيت، انفجرت العاصفة.

الأم تبكي:
– كده تضيع أختك؟! دي روحك!

الأب متجهم:
– كان ممكن نحلها بينا.

ندى على الهاتف، تصرخ:
– إنتي دايمًا بتغيري مني! عايزة تدمريني!

قالت ليلى بهدوء لم تعرفه من قبل:
– أنا ما دمرتش حد. أنا أنقذت نفسي.

وأغلقت الهاتف.

في تلك الليلة، جلست ليلى على سريرها، تضع

يدها على صدرها، تسمع دقات قلبها، بطيئة لكنها حقيقية.

لم تشعر بالذنب.
شعرت بشيء آخر.

النجاة.

تمت

تم نسخ الرابط