غني تجاهل متسوّلة لكن ابنه قال ماما
لم يلتفت براين إلى دمية الأسد المحشوة.
كان يلتفت إلى الأرقام.
إلى المواعيد النهائية.
إلى شكل الأسبوع القادم.
قال في سماعة أذنه وهما ينزلان درجات المدخل الأمامي
نعم يوم الاثنين. أريد المستندات على مكتبي أولا. يجب أن ينتهي الأمر قبل
رفع ليو رأسه نحوه دون أن يقاطعه. كان قد تعلم منذ وقت مبكر أن لصوت والده حالتين حالة خاصة بقاعات الاجتماعات وحالة لكل ما عدا ذلك. وكان صوت قاعة الاجتماعات هو الذي يحصل على معظم الهواء.
وصلا إلى الرصيف حيث خف ضوء فندق بلاكستون وتحولت المدينة إلى لون رمادي مائل إلى الأزرق مع برد الشتاء. تلاشى الضحك خلفهما. تسلل الهواء البارد تحت أكمام معطف ليو كدعابة قاسية. تغير صوت خطواتهما حين صار الرصيف أخشن.
قاد براين الطريق نحو الشارع الجانبي حيث تنتظرهما السيارة. كان المكان هناك أهدأ أكثر ظلمة وبرك الماء تعكس أضواء نيون باهتة لمقهى مغلق.
تباطأت خطوات ليو.
كان هناك شيء يشده لا كيد تمسكه بل كذكرى لها نبض
قال بنبرة حادة تلك النبرة السريعة التي يستخدمها الكبار حين يخافون من الرقة
لا تحدق يا ليو. واصل المشي.
لم يتحرك ليو.
استمر الغناء وشفاه المرأة تشكل الكلمات بلطف جعل الشارع البارد يبدو كغرفة نوم مضاءة بمصباح ليلي.
انقبض صدر ليو. لم يكن الصوت مألوفا فقط بل كان يحمل إيقاعا دقيقا وهمسة
صوت من زمن كان في حياته فيه والدان.
أدار ليو رأسه ثم جسده كله وأخذ يحدق دون خجل. الأطفال نادرا ما يشعرون بالحرج حين يكون الأمر مهما.
قال
أبي.
كان براين في منتصف جملة عن الجداول القانونية حين توقف.
كان صوت ليو صغيرا لكنه سقط كحجر في ماء ساكن.
أبي كررها ليو وقد أصبح متيقنا الآن. هذه أمي.
تجمد براين.
للحظة خف ضجيج المدينة. شعر بالهواء البارد يصفع داخل رئتيه. جف فمه.
استدار ببطء.
كان وجه المرأة نصفه غارق في ظل مصباح شارع يومض. لكن عيني براين مدربتان على التفاصيل. لقد بنى حياته على ملاحظة ما يفوته الآخرون.
انحدار فكها.
لون شعرها الشاحب.
والخط الخفيف غير المنتظم على خدها الأيمن ندبة بدت كأنها كتبت هناك بزجاج مكسور.
هوى معدته.
لا قالها بصوت مسموع دون أن يقصد تماما. لم تكن الكلمة موجهة إلى ليو بل إلى الجزء منه الذي أراد للواقع أن يبقى مرتبا في ملفاته.
انحنى ليقابل نظر ابنه وفرض الهدوء على وجهه كقناع.
ليو قال بلطف وحزم. أمك رحلت. أنت تعرف ذلك.
لم تتزعزع عينا ليو. كانتا عيني شخص تذكر الحب قبل أن يتذكر المنطق.
لم ترحل همس. هي فقط لم تعد إلى البيت بعد.
ابتلع براين ريقه. ونظر من جديد إلى المرأة.
في تلك اللحظة بالذات رفعت رأسها مرة واحدة. جالت عيناها في الشارع
شبح لا يتعرف على حياته.
وقف براين بسرعة كأن الحركة قد تطرد الشعور المتصاعد في داخله.
هيا قال بصوت مشدود. لنذهب.
لكن قدميه لم تتحركا.
ويده لم تشد ليو هذه المرة.
شيء صلب في داخله شيء اعتمد عليه لسنوات تصدع بصوت خافت لم يسمعه سواه.
في تلك الليلة تمدد براين على السرير إلى جوار زوجته ليزا التي كانت نائمة وظهرها إليه ويدها تحت الوسادة. كان وجود ليزا ملاذا هادئا بعد أن رحلت دونا. زواجهما بدأ كرفقة ملفوفة بإرهاق مشترك. لم يتحول إلى شغف لكنه صار روتينا وبراين كان يحب الروتين.
في تلك الليلة لم ينجح الروتين.
ظل عقله يعيد تشغيل الأغنية.
أنت شمسي
قال لنفسه إن الأمر مستحيل. دونا ماتت قبل خمس سنوات في ذلك الحادث الشتوي. الجميع قالوا ذلك. التقارير قالت ذلك. المحكمة قالت ذلك. حزنه وقع في النهاية على الأوراق ومضى قدما.
ومع ذلك التصق الصوت به. مألوفا على نحو لا يستطيع محوه.
نهض ودخل مكتبه وفتح حاسوبه المحمول كمن يفحص جرحا تجنب النظر إليه طويلا.
مقاطع قديمة.
وجد تسجيلا من عيد ميلاد ليو الأول. كان ابنه حينها طفلا ممتلئ الخدين وذقنه مغطاة بكريمة الكعك. بدت غرفة الجلوس أصغر أدفأ. كانت دونا جالسة على الأريكة
في الفيديو بدأت دونا تغني.
أنت شمسي أنت شمسي الوحيدة
النغمة نفسها.
الزفرة نفسها في نهاية كلمة شمسي.
اللين نفسه في كلمة أرجوك.
ضاق حلق براين بسرعة كادت تؤلمه.
أوقف الفيديو وحدق في وجه دونا على الشاشة كأن ملامحها قد تتغير إن أطال النظر.
ثم فتح تقرير الحادث الملف الذي لم يمسه منذ سنوات لأن لمسه كان يشبه الوقوف على زجاج مكسور.
الحادث.
الجسر الجليدي.
المعدن الملتوي.
والسطر الذي قال يفترض الوفاة لا مؤكدة.
لم يكن قد أفسح مكانا لهذا الفرق من قبل.
برز سطر صغير قاس
نمط الحروق متوافق مع تحطم زجاج جهة الراكب.
جهة الراكب.
الندبة.
كانت المرأة في الشارع تحمل ندبة في المكان ذاته.
أغلق براين الحاسوب ببطء كأن للحركة وزنا.
ماذا لو كانت دونا قد عاشت
ماذا لو زحفت خارج ذلك الحطام إلى عالم لا يعرف أين يضعها
ماذا لو مر بها هو كما يمر على مشكلة في الرصيف
جلس في الظلام ويداه تضغطان على صدغيه وأدرك حقيقة قبيحة.
كان أسهل عليه لسنوات أن يعتقد أن دونا ماتت.
لأنه إن كانت حية فهذا يعني أنه تخلى عنها مرتين.
وليو أيضا لم يستطع النوم.
كان مستلقيا على سريره دمية الأسد تحت ذقنه يحدق في السقف حيث يرسم ضوء الممر ظلالا
تسلل من سريره وأحضر ألوانه وبدأ يرسم.
امرأة بشعر أصفر.
ولد صغير.
ودمية دب في عربة.
حين دخلت ليزا لاحقا وجدته جالسا على الأرض ولسانه