ابنتي الضائعه

لمحة نيوز

ابنتي الضائعه صياغة ادبية الكاتبة نرمين عادل همام

عشرون عامًا بعد فقدان ابنته… رجل أعمال يكتشف صلة صادمة في موقع بناء تغيّر حياته

كان من المفترض أن تكون الزيارة عادية. تفقد مشروع سكني جديد في مدينة نصر، روتين متكرر: بدلة فاخرة، هواء بارد داخل السيارة، مكالمات لا تنتهي، ومواعيد مضغوطة. لم يعد شيء يفاجئه. أو هكذا كان يظن.

لكن في اللحظة التي وصلت فيها السيارة إلى بوابة الموقع، توقّف الزمن داخله. سحابة كثيفة من الغبار الرمادي علقت فوق المباني غير المكتملة، جعلتها تبدو بعيدة وغير حقيقية. وسط الضوضاء والضباب، برز شكل واحد بوضوح، كأن العالم كله أراد أن يلفت نظره إليه.

همس السائق، صوته متردد: "يا باشا… حضرتك كويس؟"

لم يُجب. دفع باب السيارة بيده، خرج مسرعًا دون أن يهتم بحذائه الغالي وهو يغوص في الطين.

كانت هناك. فتاة نحيلة، واقفة تحت شمس القاهرة الحارقة، كتفاها منحنيان وهي تحمل مجرفة الأسمنت الثقيلة. خوذة قديمة مخدوشة تغطي رأسها، سترة أمان واسعة جدًا تتدلى من جسدها، وملابسها ملطخة بالتراب والعرق.

كانت تعمل كمن اعتاد الألم والإرهاق. ثم توقفت، رفعت يدها ومسحت وجهها.

وفي تلك اللحظة، شعر وكأن شيئًا حادًا اخترق صدره مباشرة. تلك الملامح، تلك العيون… نفس العيون التي لم ينسها يومًا، عيون ابنته التي فقدها منذ عشرين عامًا في زحام حديقة الأزهر، حين قال له الجميع أن يتوقف عن البحث، حين أخبروه أنها رحلت.

ذلك النظر. تلك العيون الخضراء.

كانت تمامًا مثل عيون زوجته الراحلة. وكانت نفس العيون التي امتلكتها ابنته الصغيرة صوفيا، التي

اختفت في زحام حديقة الأزهر منذ عشرين عامًا. الطفلة التي قال له الجميع إنها ماتت.

تشوّش بصره.

صرخ بصوت متحشرج: "إنتي! يا بنتي! هوووه!"

ارتبكت الفتاة، سقطت المجرفة من يدها على الأرض بصوت مكتوم، وتراجعت بسرعة وهي تخفض رأسها. قالت بصوت مرتعش: "أنا آسفة يا بيه… والله ما كنت باخد راحة، كنت بمسح العرق بس. أرجوك ما تطردنيش، أنا محتاجة الشغل ده… جدتي تعبانة جدًا."

اقترب منها دون وعي، حتى صار قريبًا بما يكفي ليشم رائحة الأسمنت والغبار على ملابسها. أمسك بيديها، كانت خشنة مليئة بالخدوش والندوب.

همس والدموع تملأ عينيه: "أنا مش هطردك… أرجوك، بصّيلي. اسمك إيه؟"

رفعت رأسها ببطء، مرتبكة وخائفة. قالت بخفوت: "اسمي لوسيا يا بيه… أنا مجرد عاملة هنا."

هز رأسه وهو يهمس: "لأ… لو إنتي اللي أنا فاكرها، هيكون عندك تلات شامات صغيرة هنا."

وعندما رأى بشرتها، تجمّد جسده بالكامل.

قبل أن ينطق بكلمة أخرى، اقتربت خطوات ثقيلة مسرعة. جاء المهندس المشرف يجري نحوهما، وجهه محمر بالغضب.

صرخ: "يا أستاذ منصور! ابعد عن البنت دي حالًا!"

التفت إليه منصور، ما زال ممسكًا بيدي لوسيا، غير فاهم ما يحدث. تابع المشرف بصوت عالٍ: "دي عاملة كلها مشاكل! لسه جاية من أسبوع وعملت قلق. ما ينفعش تتصرف كده قدام المستثمرين!"

سحبت لوسيا يديها بسرعة وتراجعت مرتجفة. قالت بصوت ضعيف: "أنا ما عملتش حاجة يا باشمهندس… هو اللي مسكني."

وفي تلك اللحظة، شعر منصور أن شيئًا انكسر بداخله…

صرخت بغضب في وجه المشرف: "إزاي تتكلم معاها كده؟ دي ما عملتش أي حاجة غلط!"

تجمّد

المشرف، ينظر إليه وكأنه فقد عقله. قال ببرود: "مع احترامي يا أستاذ منصور… إنت ما تعرفش الناس دي. بييجوا من غير أوراق، دايمًا يخترعوا قصص حزينة عشان ياخدوا تعاطف."

كلماته كانت كالنار، لكنها أيضًا أيقظت شيئًا في داخله. من غير أوراق؟

التفت إلى لوسيا وسألها بلطف: "إنتي ساكنة فين؟"

ترددت، عضّت شفتها وقالت: "في أوضة إيجار… في عزبة النخل."

"وبتعيشي مع مين؟" "مع جدتي."

"وأهلك؟" شدّت وجهها، دمعة واحدة انزلقت على خدها المغبر: "ماعرفهمش يا بيه… جدتي بتقول إنهم سابوني وأنا لسه بيبي."

قلبه بدأ يخبط بعنف. "عندك كام سنة؟" "تلاتة وعشرين… يمكن. جدتي مش متأكدة."

تلاتة وعشرين. تمامًا نفس عمر صوفيا لو كانت عايشة النهارده.

تنهد المشرف بضيق: "يا أستاذ منصور، ما ينفعش تضيع وقتك مع—"

قاطعه منصور بصوت مدوّي: "كفاية! إنت مطرود. امشي فورًا."

شحب وجه المشرف، فتح فمه ليجادل، لكن نظرة منصور أخرسته. انسحب وهو يتمتم غاضبًا.

وعندما رحل، جثا منصور على ركبتيه أمام لوسيا وسط التراب. ارتبكت وتراجعت خطوة. قال بسرعة: "أنا مش هأذيكي… بس لازم تسمعي. من عشرين سنة، فقدت بنتي في جنينة الأزهر. اسمها صوفيا. كان عندها تلات سنين. كانت ليها نفس عيونك. وكان عندها تلات شامات هنا في رقبتها."

وأشار إلى الموضع بالضبط. لوسيا رفعت يدها تغطي رقبتها تلقائيًا. قالت بخفوت: "ناس كتير عندهم شامات."

رد منصور وهو يهز رأسه: "مش بالشكل ده. دول عاملين مثلث كامل. مراتي كانت تقول إنهم شبه نجوم حزام الجبار."

تغيّر وجهها. قالت هامسة: "جدتي دايمًا كانت

تقول إن العلامات دي مميزة… علامة."

قال منصور برجاء: "ممكن أشوفهم؟"

بعد تردد طويل، أنزلت ياقة قميصها ببطء. وهناك… ظهرت الشامات الثلاثة، مصطفة بشكل مثالي.

انهار منصور في التراب، يبكي بحرقة: "إنتي… إنتي بنتي. إنتي صوفيا."

بكت لوسيا أيضًا، لكن دموعها كانت مليئة بالارتباك: "أنا مش فاهمة… جدتي هي اللي ربّتني. أنا مش بنتك."

سأل منصور بلهفة: "اسم جدتك إيه؟" "مدام مرسيدس… مرسيدس فؤاد."

أومأ منصور ببطء: "لازم أقابلها."

قاد السيارة إلى عزبة النخل. جلست لوسيا صامتة في المقعد الخلفي، بينما كان منصور يراقب انعكاسها في المرآة. كل حركة صغيرة منها كانت تذكّره بصوفيا.

الحي كان مختلفًا تمامًا عن عالمه: طرق ترابية، بيوت من الصفيح، أسلاك متدلية. سيارته بدت غريبة وسط المكان.

قالت لوسيا وهي تشير إلى بيت صغير أزرق: "هنا."

في الداخل، رائحة المرض والفقر تملأ الجو. امرأة عجوز ترقد على سرير ضيق. وعندما رأت منصور، امتلأت عيناها بالخوف.

في تلك اللحظة، عرف أن كل شيء صحيح.

السر المكشوف

قالت العجوز بصوت ضعيف: "أنا ما خطفتهاش… أنا أنقذتها."

ثم روت كل شيء: كيف وجدت طفلة صغيرة وحيدة، متسخة، تبكي. كيف لم يكن أحد يبحث عنها. وكيف دفعها الخوف لأن تحتفظ بها.

وعميقًا في داخله، كان يعرف الحقيقة المؤلمة. لقد فشل في حماية ابنته قبل أن تُؤخذ منه.

ثِقل الماضي

بكت لوسيا. بكى هو أيضًا. أما الحاجة مرسيدس فكانت تسعل، والدم يلطّخ الملاءة.

قال منصور بقلق: "هي محتاجة مستشفى."

همست العجوز بصوت ضعيف: "ماقدرش… ماعنديش فلوس."

رد منصور

بحزم: "أنا أقدر… وأنا هاعمل كده."

في ذلك اليوم، وصلت سيارة إسعاف إلى عزبة النخل. ومع ابتعادها، جلست لوسيا بجانبه في صمت.

كان الكثير قد ضاع. ومع ذلك، ولأول مرة منذ عشرين عامًا، وجدته الحقيقة أخيرًا.

تمت

تم نسخ الرابط