كأنها ابنتي اعادة صياغة الكاتبة نرمين همام

لمحة نيوز

فقدت حفيدتي ليلى، اللي عندها 15 سنة، أمها وهي عندها 8 سنين.

بعد ما ابني اتجوز تاني، مراته الجديدة في الأول كانت شكلها لطيف، لكن أول ما خلفت توأم، حوّلت ليلى بهدوء لخدامة في البيت من غير أجر. حتى وهي كتفها مكسور، كانت بتسيبها لوحدها ترعى العيال، وهي تخرج تسهر وتشرب. ساعتها أنا اتدخلت.

كنت فاكر إني عارف كل حاجة عن الطفلة اللي ربيتها كأنها بنتي. لكن في ليلة فرحها، ظهر واحد غريب وسط المعازيم وكشف حقيقة هزّت كل اللي كنت فاكره.

اسمي خالد. عندي 55 سنة. من أكتر من 30 سنة، فقدت مراتي وبنتي الصغيرة في ليلة واحدة.

كان حادث عربية. مكالمة تليفون. صوت بعيد وهادي بيقول لي إنهم ماتوا.

مريم – مراتي.

سارة – بنتي اللي كان عندها 6 سنين.

فاكر نفسي واقف لوحدي في المطبخ، ماسك التليفون وببص في الفراغ.

بعدها حياتي بقت روتين ممل. أروح الشغل، أرجع البيت، أسخّن أكل مجمّد وآكل في صمت. صحابي كانوا بيطمنوا عليّ، وأختي كانت بتتصل بي كل أسبوع. لكن ولا حاجة كانت بتملأ الفراغ اللي جوايا.

فضلت محتفظ برسومات سارة على التلاجة لحد ما

لونها بهت واصفرّ. ماقدرتش أرميها.

ماصدقتش يوم إني ممكن أبقى أب تاني. كنت حاسس إن الجزء ده مني اتدفن معاهم.

لكن الدنيا ليها طرق غريبة تفاجئك لما تبطل تتوقع أي حاجة.

بعد سنين، في يوم مطر، لقيت نفسي داخل جراج دار أيتام. قلت لنفسي إني مجرد فضولي، مش عايز أعوّض حد.

جوا، ريحة المكان كانت خليط بين مطهرات وألوان شمع. ضحك أطفال من ممر، وبكاء من ممر تاني.

واحدة من الأخصائيات، اسمها داليا، شرحت الإجراءات بصراحة من غير وعود.

وبعدين شُفتها.

بنت صغيرة قاعدة بهدوء على كرسي متحرك، ماسكة كراسة، والأطفال حواليها بيجروا. ملامحها كانت ساكتة… ساكتة أكتر من اللازم بالنسبة لسنها.

قالت داليا:

"دي سلمى. عندها خمس سنين."

اتصابت في حادث عربية. أبوها مات. إصابتها في العمود الفقري مش كاملة – العلاج ممكن يساعد، لكن التقدم هيكون بطيء. أمها تنازلت عن حقوقها عشان ماقدرتش تتحمل المسؤولية الطبية ولا الحزن.

ولما سلمى رفعت عينيها وبصّت في عيني، ماحوّلتش نظرها. كانت شبه طفلة مستنية تشوف الباب هيتفتح ولا هيتقفل تاني.

ساعتها… حاجة اتكسرت

جوايا.

أنا ما شفتش تشخيص ولا ورق. أنا شفت طفلة اتسابت لوحدها.

محدش كان عايز يتبناها.

بدأت الإجراءات على طول. كنت بزورها كتير، نقعد نتكلم عن الكتب والحيوانات. كانت بتحب البومة، وقالت لي مرة: "البومة بتشوف كل حاجة." الكلمة دي فضلت معلقة في دماغي.

ولما أخيرًا جبتها البيت، دخلت ومعاها شنطة ظهر صغيرة، وبومة محشوة، وكراسة رسومات.

في أول كام يوم، بالكاد كانت بتتكلم. كانت بس بتراقبني… بعناية.

في ليلة وأنا بطوي الغسيل، دخلت عليّ وقالت:

"بابا… ممكن كمان عصير؟"

المنشفة وقعت من إيدي. ومن اللحظة دي بقينا فريق واحد.

العلاج بقى جزء من يومنا. كنت بحتفل بكل خطوة صغيرة: أول مرة وقفت لوحدها، أول خطواتها وهي لابسة جهاز تقويم. اشتغلت بجد أكتر من أي حد عرفته.

المدرسة ما كانتش سهلة. بعض العيال ما عرفوش يتعاملوا معاها. لكن سلمى رفضت الشفقة. كبرت مستقلة، ذكية، قوية.

بقت هي عالمي كله.

السنين عدّت. سلمى كبرت وبقت شابة واثقة في نفسها، طيبة وعنيدة. كانت بتحب العلوم، درست أحياء، واشتغلت فترة في مركز للحياة البرية، ساعدت في

علاج بومة مصابة. يوم ما أطلقوا سراحها، بكت من قلبها.

وعند 25 سنة، قابلت ياسر في الجامعة. كان بيعشقها. اختبرته بهدوء، لكنه نجح في كل اختبار.

ولما قالت لي إنهم اتخطبوا، حسّيت إن نفسي اتقطع وأنا باكل فطوري.

فرحهم كان صغير وبسيط، لكنه جميل. سلمى لبست فستان أبيض ساتان، متألقة بثقة عالية. كنت بشوفها بتضحك وترقص وسط الناس اللي فضلوا معاها.

لكن لاحظت ست واقفة عند الباب. في منتصف الأربعينات، شعرها مربوط بشدة، عينها مركزة على سلمى مش على الحشد.

قربت مني وقالت إنها عايزة تكلمني لوحدنا.

قالت:

"إنت ما تعرفش الحقيقة… أنا أمها البيولوجية."

شرحت إن سلمى لقتها من سنتين، وإنهم اتكلموا، وقالت لها ليه سابت: خوف، خجل، عجز.

وأضافت:

"هي بطلت ترد عليّ من شهور… لكن قالت لي عن الفرح."

رديت بهدوء:

"اليوم ده عن الناس اللي فضلوا."

ما جادلتش. ببساطة مشيت.

في وقت لاحق، وقفت أنا وسلمى برا. سألتني:

"هي جات… صح؟"  

قلت:

"أيوه."

قالت بهدوء:

"كنت محتاجة أقابلها. أفهمها. وأسيبها."

مسكت

إيدها وقلت:

"إنتي بنتي… عشان فضّلنا مع بعض."

ابتسمت وسط دموعها وقالت:

"شكرًا إنك اخترتني."

وأنا بشوفها بترقص مع ياسر في الليلة دي، فهمت أخيرًا حاجة قضيت سنين بتعلمها:

العيلة مش دم.

العيلة هي اللي يفضل جنبك لما كل حاجة تنهار… ويختار يفضل تاني يوم.

تمت

تم نسخ الرابط