التفرقة بين الاخوة بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
التفرقة بين الاخوة بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
الحر كان خانق.
الهوا واقف، والبيت كله عرقان.
كنت معدّية من جنب أختي الصغيرة، لقيتها مبلولة عرق، شعرها لازق في جبينها، بتنهج وكأن نفسها تقيل.
قربت من التكييف، وبصّيت حواليّ، وبهدوء واطيّت الدرجة شوية.
قلت في نفسي:
– “مش معقول الطفلة تبقى كده.”
ماكملتش دقيقة، غير وصوت ماما شقّ البيت.
– “إنتِ بتعملي إيه؟!”
– “حرانة أوي يا ماما… أختي—”
– “إنتِ عايزة تأذي أختك؟! مش شايفاها ضعيفة؟!”
حاولت أشرح، بس الكلام مات في زوري.
مسكت إيدي بقسوة، وسحبتني على المطبخ.
الثلاجة واقفة قدّامي… بيضا، ساكتة، تقيلة.
– “تحبي البرد؟ أهو… خشي حسي بيه.”
صرخت.
– “لا يا ماما، بالله عليكي!”
الباب اتفتح،
والضلمة بلعتني،
والبرد لفّ جسمي زي حبل.
قفلت الباب… كليك.
الصوت ده فضل يرن في وداني.
ما كانتش تعرف…
ولا أنا كنت فاكرة…
إن من أيام كنا متفرجين على الأخبار عن طفل دخل ثلاجة ومارجعش تاني.
عشان كده، بابا ركّب قفل أمان.
قفل أمان…
اتحوّل لحبس
خبطت.
صرخت.
– “بابا! ماما! افتحوا!”
النَفَس بقى تقيل،
وإيدي وجعتني،
والوقت بقى بطيء بشكل مخيف.
سمعت صوت بابا من بعيد:
– “مش حاسس إنها شدّت قوي؟”
ردّت ماما ببرود:
– “دقايق وتتعلّم.”
كل اهتمامهم راح لأختي.
كنت سامعة صوتها وهي بتهدى،
وصوت ماما وهي بتطمنيها…
وأنا؟
ولا صوت سأل.
الدقايق بتعدّي.
إحساسي بيقل.
رجلي مش شايلاي.
والسكون بقى تقيل.
بعد شوية، الدنيا برّه اتلخبطت.
أختي سخنت فجأة.
– “حرارتها عالية!”
– “نودّيها المستشفى!”
بابا قال:
– “طب نشوف البنت—”
– “سيبها، بتعمل كده عشان تلفت النظر.”
اللحظة دي…
كانت آخر فرصة.
رجعوا بعد وقت طويل.
البيت هادي.
نادوا:
– “إنتِ فين؟!”
ماكانش في رد.
ماما بصّت على السرير، شافت البطانية مكوّرة.
– “شايف؟ نايمة! بعد كل اللي عملته!”
قربوا، وابتدت اللوم.
– “إنتِ السبب في تعب أختك!”
– “ولسه عندك نفس ترتاحي؟!”
ما اتحركتش.
ماما اتعصبت أكتر.
مسكت لعبتي المفضلة…
وقطّعتها حتت صغيرة.
– “عشان تعرفي إن أي تصرّف ليه تمن.”
ما كانتش عارفة…
إن التمن كان اتدفع خلاص.
أنا ما كنتش نايمة.
ولا بزعل.
ولا ببالغ.
أنا…
كنت بنت
البرد خدها واحدة واحدة
وسكت صوتها
جوه ثلاجة
اتقفلت بقفل أمان.
تاني يوم الصبح،
حرب الصمت كانت لسه شغّالة.
ماما زعقتلي من آخر الشقة عشان ما نزلتش أفطر.
كالعادة، ما رديتش.
بابا حاول يصلّح الجو، خد الطبق وطلع أوضتي.
خبط… استنى…
ما فيش رد.
تنهد بهدوء، وسيب الأكلة ومشي.
كانت أول مرة ما أنزلش أودّعه وهو رايح الشغل.
حاسس بحاجة مش مظبوطة،
قال لماما:
– “بلاش خناق معاها تاني.”
لكن عقلها كان مع أختي وبس.
الوقت الوحيد اللي افتكرتني فيه
كان لما حبت تاخد لبن الأم من الفريزر.
نادَت…
ما رديتش.
اتعصبت وقالت:
– “ماشي، هاخده بنفسي.”
وقبل ما تمد إيدها على باب التلاجة،
الباب خبط.
الجارة دخلت.
ست كبيرة،
كانت دايمًا بتفضّل الولاد،
وعمرها ما عاملتني كويس.
قبل كده اتخانقت مع ماما بسبب كده.
لكن النهارده؟
بقوا قريبين فجأة.
ماما كانت بتحكيلها عني:
– “مش بريئة زي ما الناس فاكرة.”
– “هي السبب في سخونية أختها.”
اتقربوا من بعض
وهما بيتكلموا عليّا وحش.
ماما قدّمتلها هدية،
عشان ابنها اللي شغال في مركز رعاية أطفال
يحجز مكان لأختي.
الجارة مشيت بالهدية…
وخدت معاها طبق كحك كمان.
الحكاية دي عملت لَبس أكبر.
بالليل، لما بابا رجع،
ماما اشتكت:
– “ما كلمتنيش طول اليوم.”
– “ولا حتى ردّت.”
– “وكمان خدت الكحك!”
بابا قرر يعاقبني.
قال إنهم هيسافروا تخييم آخر الأسبوع
ويسيبوني في البيت
“أفكر في اللي عملته”.
التفرقة بين الاخوة بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
تلات أيام.
كاملة.
نسوني تمامًا.
ولا حد سأل.
ولا حد افتكر.
لحد ما
بابا وماما واحد صاحبي في المدرسة جم يسألوا:
– “هي مش بتيجي المدرسة ليه؟”
القلق اللي حسّوه
ما كانش عليّا…
كان عشان الأهل دول وبّخوهم
إنهم سايبيني لوحدي.
الجيران قالوا:
– “مش عاجبكم؟ خلّوا ولادكم بعيد.”
وبعدها
الخدمة الاجتماعية وصلت.
سألوا سؤال بسيط:
–
ماما جريت على أوضتي.
ما لقتش حد.
أهل صاحبي لاحظوا
كحك بايظ
ولبن صويا فاسد
مركونين في الأوضة.
وحتى ساعتها،
بابا وماما كانوا لسه فاكرين
إني بدلع
وبعاند.
موظفين الخدمة الاجتماعية سألوا:
– “آخر مرة شوفتوها إمتى؟”
ماما حكت عن الليلة
اللي أختي سخنت فيها.
كلهم بصّوا ناحية المطبخ.
ناحية التلاجة.
الموظف وقف قدّام القفل الكبير
وسأل بهدوء تقيل:
– “هي كانت هتطلع إزاي لوحدها؟”
ماما اتسمّرت مكانها.
الخوف دخل قلوبهم كلهم في نفس اللحظة.
ما كانوش يعرفوا…
إن روحي
لسه محبوسة جوه
وإن اللي عملوه
كان بس
بداية الحساب.
التفرقة بين الاخوة بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
تمت