قصة وعبره
من الواقع بقلم يوسف محمد
من الواقع بقلم يوسف محمد على
أنا اسمي حسن، عندي 54 سنة. قضيت عمري كله وسط المطاعم والفنادق، من وأنا شاب صغير لحد ما بقيت مدير واحد من أرقى الأماكن في القاهرة. بالنسبة لي، الشغل مش مجرد بيزنس، دي حياة. كنت دايمًا مؤمن إن الانضباط والسمعة هما العمودين اللي بيشيلوا أي مؤسسة محترمة. غلطة واحدة ممكن تهد كل اللي بنيته بعرق السنين.
في يوم من الأيام، كنا بنجهز لافتتاح فرع جديد، وكنّا بندور على شيف عمومي. ناس كتير قدمت، بس ولا واحد فيهم كان على المستوى. لحد ما دخل علينا راجل اسمه آدم.
شاب في أواخر الأربعينات، بس شكله كان بيقول إنه عدى الستين. وشه فيه حفر الزمن، وعينيه فيها حكايات كتير. لبسه بسيط، بس نضيف جدًا، وهادي بطريقة تخلّي الواحد يشك فيه.
ما ضيعناش وقت في الكلام، دخلنا على المطبخ على طول. المكان اللي أنا بسميه "المملكة".
آدم بدأ يشتغل، وأنا واقف أراقب كل حركة. الطريقة اللي كان بيقطع بيها، يمزج بيها، يدوّب
عمل طبق فوتوتشيني، وقدمه لي كأنه بيقدّم لوحة فنية. أول ما دُقت، حسيت إن لساني وقف. الطعم كان مش بس حلو، كان عميق، دافي، بيحكي حكاية. ساعتها قلت لنفسي: "هو ده… لقيناه."
ابتسمت له وقلت: – "عظيم يا آدم… الوظيفة ليك من دلوقتي. بس نراجع الورق ونخلص الإجراءات."
رجعنا المكتب، وأنا براجع الملف. كل حاجة تمام، لحد ما وصلت لسؤال عن "السجل الجنائي". كان فاضي.
رفعت عيني وسألته بهدوء: – "ليه ما جاوبتش على السؤال ده؟ لازم نراجع سجلّك."
وشه اتغير، الثقة راحت، والقلق ظهر. قلت له بطمنه: – "إجراء روتيني، لو ما فيش حاجة، يبقى ما تقلقش."
سكت شوية، وبعدين قال بصوت واطي: – "أنا عندي سوابق… من زمان. دفعت تمنها، وعايز أبدأ من جديد."
اللحظة دي كانت صدمة. الطعم اللي لسه في لساني اتحوّل لمرارة. حسيت إني اتخدعت.
قفلت الملف بعنف، ونظرت له باحتقار: – "المجرم
حاول يشرح، حاول يتكلم، بس أنا كنت قافل كل حاجة. طردته، وقلت له ما يوريناش وشه تاني.
بعد شوية، دخل صاحب المطعم، كان سامع صوتي العالي. سألني: – "في إيه؟"
قلت له بفخر: – "أنقذت المكان من كارثة. واحد مجرم كان عايز يشتغل هنا، وطردته."
بس صاحب المطعم ما ابتسمش. بص لي بنظرة فيها وجع وغضب. وقال لي: – "إنت غلطان يا حسن… الناس بتتغير. لو لقوا فرصة."
وبعدين قال لي حاجة زلزلتني: – "أنا كنت مسجون قبل كده. غلطة في لحظة طيش. دفعت تمنها سنين من عمري."
أنا اتجمدت. وهو كمل: – "كنت فاكر السجن نهاية، بس طلع بداية. قابلت هناك راجل علّمني الطبخ. كان سجين زيه، بس قلبه من دهب. آمن بيا، وعلّمني كل حاجة. بفضله، فتحت المطعم ده، وغيّرت حياتي."
الكلام نزل على صدري تقيل. أنا اللي كنت شايف نفسي حكيم، طلعت سطحي.
صاحب المطعم ما ادّانيش فرصة أستوعب، قال لي بحزم: – "اخرج دلوقتي… دور على آدم،
خرجت أجري في الشارع، زي المجنون. لقيته ماشي، راسه في الأرض. وقفت قدامه وأنا بألهث، واعتذرت له. قلت له يرجع، لأن صاحب المطعم عايز يقابله.
رجعنا سوا. دخل آدم المكتب، وأنا واقف جنبه.
صاحب المطعم أول ما شافه، اتصدم. عينه وسعت، والدموع نزلت. قال له بصوت بيرتعش: – "مش مصدق… إنت؟!"
آدم كان هو نفسه الراجل اللي علّم صاحب المطعم الطبخ في السجن. الراجل اللي كان سبب في وجود المطعم أصلاً. وأنا كنت هحرمه من فرصة بسبب حكم مسبق.
صاحب المطعم حضنه، وقال له: – "إنت غيّرت حياتي، ودلوقتي دوري أرد الجميل. المطعم مش فيه وظيفة ليك… المطعم ملكك يا أخويا."
آدم ما قدرش يمسك دموعه. فضل يبكي، مش مصدق. وقال: – "ما كنتش أتخيل إن المعروف بيرجع كده."
وأنا خرجت من المكتب، وأنا شايل درس عمره ما هيروح. اتعلمت إن الماضي مش دايمًا سجن، ممكن يكون مدرسة. وإن كل وش بنحكم عليه، وراه حكاية ممكن تكون أعظم من اللي إحنا عايشينها. ويمكن نكون
بقلم يوسف محمد
تمت