قصة وعبرة
خطة طلاقي الغادرة ل نرمين همام
خطة طلاقي الغادرة ل نرمين همام
كانت منى عبدالله دايمًا مؤمنة إن الذكاء سلاح أهدى بكتير من الغضب. واكتشفت صحة الكلام ده يوم صبّح ماطر في القاهرة
فتحت لابتوب زوجها هاني مصطفى، بس عشان شركة التوصيل بعثت تأكيد على إيميله، وكمان موبايلها كانت بطاريته خلصت طول الليل. مكانتش بتدور على خيانة، كانت بس بتحاول تكون مفيدة.
صندوق البريد كان مفتوح أصلًا، والمؤشر يومض في نص مسودة رسالة، لكن عنوان الرسالة خلاها تتوقف عن التنفس:
الخارطة القانونية لحل الجواز.
إيدها تجمدت على الكيبورد. قالت لنفسها يمكن ده سوء تفاهم أو نموذج جاهز أو خطأ ما، لكنها كملت تقرأ. الكلمات كانت حوالين صدرها كالمعدن البارد:
الخطة تقضي بتصويرها إنها مش مستقرة عاطفيًا. لازم ينقلوا الأصول قبل ما يقدموا الدعوى. ممكن يخترعوا دلائل لو احتاجوا.
قرأت سطر ورا سطر. زوجها هاني مصطفى كان بيتكلم عن مستقبلها مع محامي هي عمرها ما سمعت باسمه قبل كده، وبيتكلم عنها كأنها مشكلة لازم تمسح. ١٢ سنة من الجواز
خطة طلاقي الغادرة ل نرمين همام
غمضت منى عينيها للحظة طويلة، واصابعها بترتجف، بعدين أخدت نفس عميق وبدأت تاخد لقطات شاشة. بعتها على إيميل مشفر كانت عملته من سنين لما أسست شركتها الأولى. مكانتش محتاجاه قبل كده حتى دلوقتي.
لما قفلت اللابتوب، انعكس وشها على الشاشة السودة. الست اللي كانت بتبص فيها مكانتش مكسورة، لكن هادئة جدًا.
في الليلة دي عملت له عشاّه المفضل. رتبت الترابيزة بالشموع وشغلت موسيقى هادية. ابتسم هاني من
وجوهها من جوه كانت بتبني جدران حوالين قلبها.
بعد ما غفا، جلست في مكتبها الخاص، أوضة نادرًا كان هاني بيدخلها لأنه كان فاكر إنها مخصصة بس لإدارة الأعمال الخيرية. فتحت دفتر وكتبت كلمة واحدة في أول الصفحة:
السجل.
في الصفحات اللي بعدها، دونت كل اللي تعرفه عن الأصول المشتركة، كل شركة كانت أسستها قبل الجواز، وكل عقد لوجستي وفني خارجي لسه تحت ملكيتها عبر صناديق استئمانية قبل ما تدخل علاقة هاني. ما كانش خد نفسه يوم يحاول يفهم خلفيتها التجارية لأنه كان بيحب يفتكر إنه العبقري المالي في البيت. وهي سابتله الوهم ده لأنه كان بيخلي الحياة أهدى.
بس دلوقتي، الوهم ده هيحميها.
خطة طلاقي الغادرة ل نرمين همام
على مدى الشهر اللي بعده، اتحركت بحذر خطوة خطوة. رتبت اجتماعات مع مصارف خاصة بذريعة شغل المؤسسة. نقلت ملكية شركات فرعية خاملة لصناديق مستقلة. استعانت بمحامية شركات في القاهرة مستخدمة اسمها الكامل ولقب عيليتها . وتأكدت إن أي مستند ميعديش من مكتب هاني.
، قال لها بنبرة عابرة:
_ ممكن احتاجك توقعي على حاجة قريب. مجرد إعادة هيكلة لأسباب ضريبية.
ابتسمت بحرارة:
_ طبعا يا حبيبي. أي حاجة تفيد.
منى ما كانتش مدركة المفارقة.
في الليل كانت بتراجع البيانات. اكتشفت حسابات لم تسمح بها قبل كده وأموال اتحولت من ممتلكات مشتركة لشركات
لقيت مسودات رسائل كانت معدة عشان تتهمها بالإسراف وعدم الاستقرار النفسي. مكانتش بتعيط، بس صنفت كل حاجة.
ثبتت جهاز تسجيل صوتي صغير تحت الرف الخشبي في مكتب هاني المنزلي. المكتب مكانش ملفت، أوضة أنيقة ومرتبة زيادة عن اللزوم، ريحة الورق القديم والعطور الباهظة ماليه الجو، وهاني كان فاكرها مساحة آمنة محدش يقدر يوصلها.
ما استغرقش إلا عطلة ويك إند واحدة عشان منى تجمع اللي كانت محتاجاه، مش عشان الوقت طويل، بس الحقيقة كانت جاهزة تنتظر بس إنها تسمعها.
سمعت صوته بوضوح في التسجيلات، صوته اللي عرفته سنين، لكن بنبرة مختلفة، واثقة وقاسية ومتغطرسة وفيها اطمئنان زائف. مكانش بيتردد، ولا بيختار كلامه بحذر، كأنه بيكلم من مكان متأكد إن النهاية محسومة.
في أحد التسجيلات، قال هاني بنبرة متغطرسة عبر مكبر الصوت:
_ هرفع الدعوى الأول. هتفاجئي. هنصورها إنها متقلبة، وبحلول الوقت اللي تردي فيه، القاضي هيبقى شاكك في مصداقيتها.
منى مكانتش بترتعش لما سمعت ده. مكانتش حاسة بالغضب اللي يخليك تفقد السيطرة ولا بالانكسار اللي يوديك للبكاء. جلست في عربيته بره مقهى صغير والمطر بيطرق الزجاج بإيقاع ثابت، وشغلت التسجيل مرة ومرتين. كانت بتسمع الكلمات كأنها بيانات في تقرير، مش طعنات في علاقة 12 سنة.
بعدها أرسلت التسجيل لمحاميتها، وأرفقته بجملة واحدة بس، بلا شرح وبلا أي شعور:
_ باشري
وصل الرد خلال ساعة:
_ مفهوم، نبدأ
مكانش فيه احتفال ولا شعور بانتصار مبكر. الخطوة الأولى كانت غير مرئية، زي تحريك
بعد أيام قليلة، واحد من مشاريع هاني الكبرى فجأة اتعرض لدعوى قضائية من شركة استثمار مجهولة بتهمة الإخلال بالعقد. الدعوى كانت دقيقة ومحسوبة، ومبنية على ثغرة قانونية صغيرة لكنها قاتلة. الشركة دي ما كانتش غير كيان ورقي كانت منى سامي مسيطرة عليه من سنين، سايباه ساكت لحد اللحظة دي.
الموضوع جمد ملايين الجنيهات في ساعات قليلة.
هاني رجع البيت الليلة دي غاضب زي ما عمره ما كان، رمى شنطته الجلدية على الأرض بعنف وبدأ يتمتم بكلمات متقطعة:
_ واحد بيهاجم مشروعي
قال وهو بيمرر إيده في شعره:
_ مفيش معنى لده، كل حاجة كانت مستقرة
منى كانت واقفة جنب المطبخ هادئة ومتماسكة، سكبت له كاس ويسكي وناولته له من غير استعجال.
_ شكل ده مرهق
قالت بنبرة دافية:
_ عليك ترتاح
هو ما لاحظش ابتسامتها، وما لاحظش إن عينيها مبقتش بتدور على رضاه ولا تفسيره.
بعد أسبوعين، وفي الوقت اللي هاني مسافر فيه لفينيكس عشان يراجع عقار كان فاكره ملكه لوحده، جلست منى في مكتبها ووقعت بهدوء على أوراق طلب الطلاق في محكمة مقاطعة القاهرة. القرار ما كانش انفعالي، لكنه نتيجة ترتيب طويل وصامت ودقيق.
الطلب كان متضمن تسجيلات صوتية، سجلات مالية مفصلة، ومراسلات إلكترونية تثبت الخداع المتعمد، نقل الأصول، ومحاولات التشويه المسبق. منى ما احتجتش تزين الحقيقة، الحقيقة لوحدها كانت كفاية.
المحكمة أصدرت فورًا أمر حفظ، جمدت كل الممتلكات المشتركة، وأغلقت الأبواب اللي هاني
اتصل بيها بعد دقائق من ما استلم الإخطار.
_ إيه ده الهراء!