يفقد فرصة عمل لمساعدته امرأة مسنة بقلم الكاتبة نرمين همام

لمحة نيوز

يفقد فرصة عمل لمساعدته امرأة مسنة ويتأخر عن مقابلة العمل ... دون أن يعلم أنها والدة رئيس مجلس الادارة لكن بعدها حدثت المقابلة التى لم يكن يتوقعها 

بقلم الكاتبة نرمين عادل همام

يوسف كان واقف ساند ظهره على كشك سجاير في "جاردن سيتي"، بيبص بشلل لشاشة موبايله اللي "مكسورة ميت حتة". كان لسه طالع من انترفيو في شركة "الناير" للمقاولات، واترُفض ببرود عشان "تأخيره" عشر دقائق.. محدش سمع منه ليه اتأخر، ولا اهتموا إنه كان غرقان في المطر.

وهو واقف بيلهث، جاتله رسالة.. موبايله اهتز في إيده اللي كانت بترتعش، مش من برد الشتا اللي لسه مبلل قميصه، لا.. ده من الصدمة. "الأستاذ يوسف  مطلوب رجوعك للشركة فوراً.. قرار من مكتب رئيس مجلس الإدارة شخصياً."

يوسف قرأ الرسالة وغمض عينه.. "أكيد دي اشتغالة"، قالها لنفسه وهو بيمسح مية المطر عن وشه. يمكن السكرتيرة اللي بصتله بـ "شفقة" وهي بتطرده، حنّ قلبها عليه؟ لا.. دي الرسالة التانية كانت أوضح وأشد: "أستاذ يوسف، إياد بيه الناير مستنيك في مكتبه.. حالاً."

الأسانسير فتح على عالم تاني.. سجاد تقيل، ريحة بخور غالي، وهدوء مرعب. طلعت له مساعدة شيك جداً، مشيت قدامه بـ "كعبها" اللي بيخبط في الرخام زي دقات الساعة.. وقفت قدام باب خشب راقي ضخم مكتوب عليه "إياد الناير".

يوسف ريقه نشف أول ما شاف الاسم.. افتكر الراجل اللي كان بيزعق في التليفون وهو بيساعد "الست العجوزة" تحت المطر في ميدان التحرير قبل ساعة. المساعدة

فتحت الباب، ويوسف دخل بقميصه المبلول وجزمته اللي بتزيق على الرخام.

"إياد بيه" كان مدّي ظهره للباب، بيبص على النيل من ورا الإزاز، وإيده ضاغطة على المكتب بقوة. أول ما لفت، يوسف شاف في عينه نظرة غريبة.. خليط من "الامتنان" و"الذنب".

إياد اتكلم بصوت واطي بس مسموع: "يوسف.. ادخل واقفل الباب وراك."

قرب منه ببطء، وعينه على قميصه اللي لسه منقّط مية، وقال بنبرة فيها رعشة مشاعر: "أمي حكتلي كل حاجة.."

سكت لحظة وهو بيحط إيده على راسه كأنه بيحاول يستوعب الكارثة اللي كانت هتحصل: "قالت لي إن مفيش ولا عربية وقفت لها في الزحمة والمطر ده غيرك.. وقالت لي إن لولا إنك شيلتها لغاية الصيدلية وجبتلها الدوا، ما كانتش هتستحمل لغاية ما أوصل لها.. الناس كانت بتدوس بنزين وبتجري، وإنت الوحيد اللي وقفت وضيعت مستقبلك عشانها."

يوسف نزل عينه في الأرض، كان محرج من "المدح" ده، وقال بصوت واطي: "ده واجبي يا فندم.. أي حد مكاني كان هيعمل كدة."

إياد حط إيده على كتف يوسف بقوة وقال: "لا يا يوسف.. مفيش حد عمل كدة غيرك. إنت ضيعت "وظيفة" عشان تنقذ "روح".. وعشان كدة، إنت مش بس هتتعين هنا.. إنت من النهاردة هتمسك مكتب المتابعة بتاعي، والشركة دي بيتك قبل ما تكون بيتي."

يوسف حس إن المطر اللي على وشه كانت دموع الفرحة.. إن الجدعنة  لسه ليها تمن، وتمن غالي قوي كمان.

 

يوسف بلع ريقه بصعوبة وهو بيحاول يجمع شتات نفسه، همس وصوته مخنوق: "أنا.. أنا والله يا فندم ما عملت غير اللي

أي حد مكاني كان هيعمله."

بس الحقيقة جوه يوسف كانت بتحرقه؛ لأنه عارف كويس إن "أي حد" دي مش حقيقية، هو شاف بعينه عشرات العربيات وهي بتجري وبتطرطش مية المطر على الست الغلبانة ولا حد فكر حتى يهدي السرعة.

إياد بيه هز راسه ببطء، ونظرة الإعجاب في عينه بقت أوضح، وقال بصوت فيه هيبة: "لأ يا يوسف.. إنت عملت اللي بيعمله ولاد الأصول، مش اللي بيختاره الناس العادية اللي بتمشي تعافر في عواصف حياتها وتعمل نفسها مش شايفة اللي بيغرقوا حواليهم."

يوسف حس بكتلة واقفة في زوره، مكنش عارف يرد يقول إيه، بس إياد كمل كلامه ونبرته اتحولت لجدية عملية: "لازم تعرف حاجة مهمة.. أنا هنا مش بس رئيس مجلس الإدارة، أنا كمان اللي في إيدي القرار النهائي بخصوص الوظيفة اللي إنت كنت جاي تقدم عليها."

نفس يوسف انقطع.. الكلمة رنت في المكتب زي "خبطة قدر" خلت جسمه كله يقشعر، وفهم ساعتها ليه السكرتيرة كانت مرعوبة وهي بتدخله. إياد قام من ورا مكتبه، ولف وقف قدام يوسف، وبدأ يقيمه بنظرات فاحصة، كأنه بيقرأ "معدنه" مش "سيرته الذاتية".

وقال بهدوء: "أنا راجعت الـ CV بتاعك قبل ما تيجي، وشفت واحد عافر وتعب رغم الظروف، وشايل مسؤولية أكبر من سنه بكتير.. بس النهاردة، إنت ورتني حاجة مفيش ورقة تقدر تقيسها.. إنت ورتني "أصلك" وإنسانيتك في وقت مكنش فيه كاميرات ولا حد بيراقبك."

يوسف كان بيحاول يمسك دموعه اللي كانت بتحرق جفونه، وقلبه كان بيدق لدرجة إنه خاف إياد يسمع دقاته في سكون المكتب. وفجأة،

إياد نطق الجملة اللي شقلبت كيان يوسف:

"أنا عاوزك في فريقي يا يوسف.. مش مجرد موظف لسه بيبدأ، لأ.. أنا عاوزك مساعد لمنسق العمليات، لأني محتاج ناس "بشر" زيك هما اللي يمشوا مركب الشركة دي."

يوسف رجع خطوة لورا من الصدمة، ساند على طرف الكرسي عشان ميقعش، وقال بذهول: "بس يا فندم.. أنا.. أنا جيت متأخر، وهدومي متبهدلة ومنظري ميليقش بـ..."

إياد قاطعه وهو بيرفع إيده بابتسامة فيها حنان أبوي: "إنت جيت في وقتك بالظبط.. ومنظرك ده بيقول إنك راجل بيقدم "الواجب" على "المصلحة".. وده بالظبط اللي أنا محتاجه جنبي."

هنا يوسف مقدرش يمسك نفسه، والدموع نزلت على وشه الملطخ بالمطر. إياد مد إيده ليه بابتسامة دافية زي شمس طالعة بعد عاصفة: "أهلاً بيك في عيلة الناير يا يوسف."

يوسف مسك إيده بصوابع بترتعش، وحس إن "جبر الخاطر" غير مجرى حياته في لحظة. بس الحكاية لسه مخلصتش..

الباب اتفتح بهدوء، ودخلت الست العجوزة.. هدومها كانت اتغيرت وبقت لابسة طقم شيك ووشها فيه نور غريب. قربت من يوسف وعينها مليانة حنية وقالت بصوت واطي: "يا يوسف.. أنا جيت أشكرك بنفسي، لإنك فكرتني إن لسه الدنيا فيها خير.. ولسه فيها جدعان."

يوسف وقف عاجز عن الكلام، اللحظة كانت أكبر منه ومن أي شكر. الست قربت منه، وحطت إيديها على وشه وهمست بكلمات هتفضل محفورة في قلبه طول العمر:

"إنت مخسرتش حاجة النهاردة يا بني.. إنت كسبت كل حاجة."

وكان عندها حق.. لأن "الجدعنة" ضيعت عليه "انترفيو".. بس فتحت

له "طاقة قدر" ومستقبل ومكان وسط ناس عرفوا قيمته بجد.

بقلم الكاتبة نرمين عادل همام

تمت

تم نسخ الرابط