يحيي و إرث الصابرين بقلم الكاتبه نرمين عادل همام

لمحة نيوز

بسم الله والصلاه والسلام على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم

يحيي و إرث الصابرين بقلم الكاتبه نرمين عادل همام

في بيوت كتير، المآسي مابتجيش بزلزال، بتيجي وجع بياكل في الحيطان وحدة وحده . الوجع بدأ من ١٢ سنة، في ليلة شتوية كانت المطرة فيها بتخبط على الشباك كأنها بتعاتب اللي بيحصل جوه. بنتي "عبير" كانت بتلم هدومها ، كانت بتنهج كأنها بتهرب من جريمة ، مش من ابنها رزق ربنا ليها 

الولد صعبان عليا مش كفايه ابوه ال هرب بصيت لها بذهول وأنا ساندة ضهري على الحيطة، وقلت لها: "يا بنتي ده ابنك، ده حتة منك،بقلمي نرمين عادل همام  هتسيبيه لمين وانا كبرت يا بنتي ؟" ردت عليا بجملة كانت أنشف من الحجر: عبير: "أنا مش قادرة أكمّل يا أمي.. الولد ده حِمل تقيل قوي عليا، أنا بضيع، ومستقبلي بيضيع، مش هقضي حياتي في مراكز التأهيل.. شيليه إنتي لو تقدري!"

مكُنتش بتتكلم عن فقر، كانت بتتكلم عن "يحيى".. الملاك اللي ربنا بعته  عشان يختبر قلوبنا. يحيى اللي ضحكته كانت بتطبطب على الروح، بس أمه شافت في عينيه "عيب خِلقي" مش "هدية ربانية".

 يحيى كان عمره وقتها ٦ سنين، كان واقف ورايا، كاشش في طرف عبايتي، صوابعه الصغيرة كانت بتترعش وهو بيراقب أمه وهي بتقفل الشنطة وتلبس الكوتشي. مابصتش وراها، مالتش تبوس راسه ولا تمسح دموعه اللي نزلت في صمت. قفلت الباب وخرجت، والبيت كله فجأة بقى فاضي رغم إني كنت وخدا يحيى في حضني وبقوله: 

ستهم: "ماتخافش يا نور عيني.. إنت مش حِمل، إنت البركة اللي هتفتح لي أبواب السما.. إحنا لبعض يا بطل.

"

تربية يحيى مكنتش محتاجة "مربي"، كانت محتاجة "مجاهد". يحيى كلامه كان تقيل، الحروف بتطلع كأنها منحوتة في صخر، ببطء وصعوبة، بس اللي يركز في عينيه يعرف إنه بيقرأ الأرواح قبل الكلمات. بقلمي نرمين عادل همام عشان يحيى يروح مراكز تنمية المهارات ويتحسن، كنت بشتغل ورديتين. الصبح "كاتبة" في المصلحة، وبالليل بفرز خضار وفاكهة في المحلات الكبيرة. فاكرة اليوم اللي كان لازم يدفع فيه مصاريف "مدرسة الدمج"، والفلوس مكنتش كفاية. دخلت أوضتي،

 قلعت "غوايشي" وذهبي اللي شقيانة فيه عمري كله. وقفت قدام الصايغ وأنا قلبي بيتقطع، بس صورة يحيى وهو ماسك القلم كانت أهم من أي دهب. يحيى حس بيا، لما رجعت البيت ومسكت إيده، لاحظ إن معصمي فاضي. فضل يلمس مكان الغوايش بصباعه الصغير، وبص لي بعينيه اللي مليانة حب وكلامه التقيل خرج بحكمة:

 يحيى: "تيتة.. إيدِك.. دهب.. جواها.. أحلى.. من.. برة." حضنته وبكيت، وقلتله: "إنت اللي وريد الدهب في حياتي يا يحيى."

يحيى مكنش طفل عادي، كان عنده "صبر إلهي" في التركيز. قعدته قدام كمبيوتر قديم جبته له من سوق الجمعة، وبدأ يفك شفراته. كان بيقعد بالساعات  مع هدى جارتنا طالبه الهندسه واتعلم منها لانه صعب عليها فكان مع السنين يبرمج ويصمم، كنت بخاف على نظره، بس كان يلف لي بوشه الصافي ويقول: 

يحيى: "أنا.. برسم.. بكرة.. يا تيتة.. عشان.. الغوايش.. ترجع."

لما كمل ١٦ سنة، دخل عليا المطبخ وأنا بقطع البصل، كان لابس أحسن قميص عنده وريحة البارفان سبقت خطوته. بقلمي نرمين عادل همام حط اللابتوب

على الرخامة وشاور على إيميل جاي من شركة برمجيات 

 يحيى: "تيتة.. الحلم.. نطق." يحيى صمم تطبيق عبقري بيعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحويل حركات العين والايماءات البسيطة لكلام مسموع، عشان يساعد زمايله اللي زي حالته. الشركة اشترت براءة الاختراع بمبلغ يخلينا مش بس نشتري دهب، ده يخلينا نشتري "عمارات"

. يحيى: "تلاتة.. مليون.. دولار.. يا تيتة.. ولسه." وقعت من طولي من الصدمة، ويحيى نزل سجد جنبي، وخدني في حضنه.. حضن "متلازمة الحب" اللي ينسّيك تعب السنين.

بعد أسابيع، والخبر ملى الجرائد، الباب خبط. "عبير" كانت واقفة، بس ببدلة شيك ونضارة شمس براند. مجاتش تقول "وحشتني يا ابني"، جات ومعاها محامي شايل ملفات وكأنها داخلة صفقة.

 عبير: "أنا جاية أصلح غلطي يا أمي.. يحيى ابني ومحتاج رعاية طبية في الخارج، وأنا بصفتي أمه، القانون بيديني حق الولاية عليه وعلى أصوله المالية، وإنتي كبرتي يا أمي وتعبتي."

المحامي بدأ يفرش أوراقه: بقلمي نرمين عادل همام "يا فندم، الولد حالته خاصة، والولاية الطبيعية للأم هي الأرجح قانوناً، وإحنا مش عاوزين مشاكل." 

يحيى كان واقف ورا الستارة، سمع كل كلمة. خرج ببطء، خطواته كانت واثقة، ولبسه كان مهندم. وقف قدام أمه اللي كانت بتبص له بدهشة وكأنها بتشوفه لأول مرة. يحيى بص للشنطة اللي في إيدها، وقال بصوت واضح رغم تقله: يحيى: "الشنطة.. دي.. غير.. السوداء؟" 

عبير بارتباك: "شنطة إيه يا حبيبي؟"

 يحيى: "اللي.. هربتي.. بيها.. وأنا.. ست.. سنين. قلتي.. إني.. حِمل.. تقيل.

" سكت ثواني وهو بيبص للمحامي بكبرياء: "الحِمل.. كبر.. وبقى.. دهب.. دلوقتي.. الحِمل.. وحشك؟"

فتح اللابتوب وورى المحامي وثيقة "أهلية قانونية من المحكمه " وشهادات خبرة ، وتنازل قانوني عن كل مليم لمؤسسه خيريه 

يحيى: "أنا.. مبرمج.. مش.. قاصر. أنا.. بني آدم.. مش.. خزنة." طلع من جيبه ظرف في فلوس ، ورماه قدامها على السفرة: يحيى: ". روحي.. مطرح.. ما.. كنتي.. وإنتي.. بتهربي.. والشنطة.. لسه.. سوداء.. يا عبير."

عبير خرجت وهي بتداري وشها من الجيران، ويحيى قفل الباب وراها بكل هدوء، ولف ليا، وطلع من درج صغير علبة مخملية حمراء.. جواها طقم ذهب تقيل وغوايش تملى الإيد. 

يحيى: "البسي.. يا ستهم.. الدهب.. رجع.. لصاحبته."

في حفل "أفضل مبرمج شاب" في الشرق الأوسط،ال بتقدمه رحمه خالد اول مذيعه مصريه من اصحاب متلازمة دارون (متلازمة الحب)  يحيى وقف على المسرح ببدلته الأنيقة، وتحت الأضواء اللي كان بيخاف منها وهو صغير. مسك الميكروفون، بص للكاميرات وللآلاف اللي واقفين يسقفوا له، وقال كلمتين هزوا القاعة:

 يحيى: "أنا.. عندي.. متلازمة.. داون.. بس.. العالم.. هو.. اللي.. عنده.. متلازمة.. العمى.. عشان.. مابيشوفش.. الجمال.. اللي.. فينا. أنا.. هنا.. عشان.. فيه.. ست.. شافت.. فيا.. بطل.. يوم.. ما.. الكل.. شافني.. مشكلة."

 نزل من على المسرح وراح لستهم، باس إيدها اللي مليانة دهب وشقى، وقال: "انتي.. الوطن.. يا ستهم."

بقلمي نرمين عادل همام 

ربنا لما بيختبرنا
مش عشان يكسرنا.

عشان يورّينا إن أضعف

القلوب
ممكن تبقى أقوى سند.

وإن الحب
لما يبقى صادق
بيحوّل الحمل التقيل  لإرث من نور وإرث الصابرين

بقلمي نرمين عال همام

تمت

تم نسخ الرابط