حماتي والميه المغليه

لمحة نيوز

أنا اسمي "ميّ"، متجوزة "ياسين السيوفي" من سنتين. ياسين مهندس شاطر وبيحبني، بس مشكلته إنه "ابن أمه". أمه، زوزو، الست اللي الحارة كلها بتعملها حساب، كنت عارفة إن الوش ده قناع بلاستيك، وتحته غل وحرباية حقيقية طبعا ماهي بتعتقد في السحر واي جارة تدايقها تنزل جري معرفش بتروح عند مين وتيجي معاها ازازة وترش ببقى مرعوبه اوي منها .

اوقات الصراحة بحس انها مش هي اوقات بتبرق اوي وبتقول كلام مش مفهوم .

كنت حامل في الشهر السادس، وتعبانة. الحمل كان تقيل، وياسين كان في مأمورية شغل في أسوان لمدة أسبوع. ال زوزو استغلت غيابه عشان "تأدبني"، أصلها كانت شايفة إن وجودي في حياة ابنها "سرقة".

في اليوم المشؤوم ده، كانت واقفة في المطبخ بتطبخ وليمة "عشان خاطر ياسين لما يرجع". المطبخ كان حرارة الفرن فيه تخنق، وريحة التقلية مالية المكان. الموبايل رن في إيدي، كان ياسين بيكلمني "فيديو" وهو في الاستراحة.

فتحت الخط، وشه المنور ظهر:

"وحشتيني يا ميّ.. عاملة إيه والبطل الصغير عامل إيه؟" قلت بابتسامة باهتة:

"الحمد لله يا حبيبي، إحنا كويسين."

"أمي فين؟ وحشتني هي كمان، افتحي السبيكر خليني أسلم عليها."

فتحت السبيكر وحطيت الموبايل

على الرخامة جنب البوتاجاز، زوزو كانت واقفة قدام حلة "الشوربة" الكبيرة، المية فيها بتغلي وبتعمل فقاقيع مرعبة، والبخار طالع منها زي البركان. أول ما سمعت صوته، وشها قلب 180 درجة، ورسمت التقوى:

"يا حبيب أمك يا ياسين! ترجع بالسلامة يا ضنايا، تعالي شوف مراتك اللي مش طايقة لي كلمة، وقاعدة تشتكي وتتأفف من ريحة الأكل!"

ياسين استغرب: "ميّ؟ دي عمرها ما اشتكت يا أمي.. معلش تلاقيها تعبانة من الحمل."

  • انا عمرى ما اشتكيت من ريحة الاكل لكن الحاجات ال بتجبيها وبتعمليها اعشاب وخلطات غريبة هي ال ريحتها وحشة جدا 

زوزو بصت لي بصه كره خلت جسمي يتنفض، ووطت على ودني والخط مفتوح، بس هي كانت فاكرة إنها بعيدة عن المايك، وقالت بصوت واطي ومسموم:

"بقولك إيه يا روح أمك.. اطلعي من دور الغلبانة ده، والله ما هسيبك تتهني بفلوس ابني ، والولد اللي في بطنك ده.. لو نزل، مش هيشوف يوم حلو طول ما أنا عايشة."

أنا اتصدمت، رجعت لورا ودموعي نزلت:

"حرام عليكي يا .. ده ابن ابنك!" ياسين صوته طلع من الموبايل وهو مخضوض:

"أمي؟ إنتي بتقولي إيه؟ سمعيني يا ميّ بتقول إيه؟"

زوزو اتجننت لما حست إنها اتكشفت، وفقدت أعصابها تماماً. نسيت ياسين،

ونسيت الدنيا، ومدت إيدها مسكت "ودن الحلة" وهي بتغلي، ورفعتها من على النار. عيونها كانت بتبرق بشر عمري ما شفته، وقربت مني وهي شايلة المية المغلية:

"بقى بتسجلي لي يا بنت (...) وتبعتي الكلام لابني كل ال بيحصل بتنقليه وياعالم بتقولي عني للناس ايه؟ طب والله لأحرق قلبك وقلبه عليه قبل ما يشوف النور، عشان تعرفي تقفي قدام  زوزو تاني!"

أنا صرخت ورجعت بضهري، خبطت في كراسي السفرة وصوت الخشب كان بيزيق على البلاط:

"لا يا ! أبوس إيدك.. البيبي ملوش ذنب! 

ياسين كان بيصرخ في الموبايل بأعلى صوته:

"يا أمي ارمي الحلة من إيدك! يا أمي والله لو لمستيها ما هعرفك تاني! يا ميّ اجرييييي!"

لكن هي كانت زي المغيبة، مالت بالحلة عليا، والبخار لسع وشي، وحسيت إن المية خلاص هتنزل على بطني وتنهي كل  في لحظة. البيبي رفس في بطني رفسة قوية كأنه بيستغيث، وأنا غمضت عيني واستسلمت للموت المحقق..

اللحظة اللي الحلة مالت فيها كانت أصعب من طلوع الروح، الميّة المغلية نزلت زي النار، بس ستر ربنا كان أقوى.. الميّة غسلت الأرضية والرخام، والبخار عماها لثواني، وده اللي خلاني أقع بعيد عنها.

ياسين كان صوته في الموبايل زي الرعد، مكنش

بس بيزعق، ده كان بيستنجد بالجيران. وفي ثواني، باب الشقة اتكسر، ودخل "المعلم محروس" جارنا ومعاه رجالة الحارة.  زوزو كانت واقفة بتنهج زي وحش كاسر، وعيونها مفيش فيها ذرة ندم.

المعلم محروس مسك إيدها وهو مش مصدق:

"جرى إيه يا  زوزو؟ كانت بتبص للموبايل اللي لسه ياسين عليه بيحلف إنه مش هيسيبها.

البوليس جه، والمكالمة المسجلة كانت الدليل اللي ملوش حل. ياسين مكنش بس بيسمع، ده كان مسجل كل كلمة، من أول التهديد . زوزو، اتقادت بالكلبشات قدام الحارة كلها. الفضيحة كانت بجلاجل، والقناع اللي عاشت بيه سنين داب تحت مية الشوربة المغلية.

ياسين ساب شغله ورجع في أول طيارة. أول ما شافني، اترمي تحت رجلي وهو بيعيط:

"سامحيني يا ميّ.. كنت مغمى عيني عن حقيقتها، كنت فاكر إن الأصول اللي بتدعيها هي دي طبعها."

زوزو لبست 10 سنين سجن بتهمة الشروع في قتل عمد. وكل اللي كانت بتمتلكه من سمعة ومكانة في المنطقة راح، والناس اللي كانت بتبوس إيدها بقوا يتفلوا على سيرتها.

بعد شهور، شيلت ابني "ياسين الصغير" بين إيديا. كان زي القمر، سليم ومعافى بفضل دعاء الغريب قبل القريب. ياسين جوزي قرر إننا ننقل من الحي كله، ونبدأ صفحة جديدة بعيد

عن سموم عيلته.

علمت ابني إن "البيت مش حيطان ولا عفش ملمع.. البيت هو الأمان والحنية". وإن الحب الحقيقي هو اللي يحميك، مش اللي يحرقك.

تمت.

تم نسخ الرابط