كاملة

كب القهوة خير بقلم نرمين عادل همام

لمحة نيوز

بسم الله والصلاه والسلام على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم 

كب القهوة خير بقلم نرمين عادل همام

في عزومة آخر يوم في رمضان، اليوم اللي المفروض النفوس فيه تصفى والبيوت تتملي رحمة.. أنا اتكسرت فيه للمرة الأخيرة. مش مجرد خناقة ولا إهانة عادية، دي كانت اللحظة اللي كشفت لي الحقيقة المرة اللي كنت مغمية عيني عنها سنين.

كنت واقفة في مطبخي في شقتي في "المعادي"، المطبخ اللي بنيته بدم قلبي وشقايا، وكل ركن فيه شاهد على صبري. كنت بفرغ لسان العصفور وبظبط السفرة، وريحة الأكل تملا البيت، وفي قلبي حتة رضا إني أخيراً هخلص رمضان وأنا صايمة وقايمة.. كنت بضحك على نفسي وبقول بكرة الأمور تتحسن.

بس الحقيقة كانت واقفة ورا ظهري مستنية تنهش فيا.

 "مدحت" كان واقف في الصالة صوته عالي ونبرته فيها غل غريب، وأخته "عبير" قاعدة على السفرة وحاطة رجل على رجل، وماسكة شنطة براند تقليد وساكتة سكوت مستفز.. كأنها مستنية العرض يبدأ. 

قبلها بدقايق سمعتها بتهسس له: "ها يا مدحت.. فتحتها في الموضوع ولا لسه؟" قلبي انقبض، بس قولت يمكن موضوع خايب.

دخل عليا المطبخ فجأة وقال بجمود: "انتي هتطلعي لـ عبير الفيزا بتاعتك ولا لأ؟" 

لفيت له باستغراب: "فيزا إيه يا مدحت؟" 

رد بمنتهى البجاحة: "مرتبك.. عبير محتاجة

فلوس تجهز نفسها، وانتي كدة كدة مش محتاجة الفلوس في حاجة انت خلاص بقيتي في بيت راجل!" 

ضحكت.. والله ضحكت من الصدمة، ضحكة محروقة: 

"أنت بتهزر؟ ده تعبي وشقايا يا مدحت! ده أنا لسه بسدد أقساط الشقة اللي إحنا قاعدين فيها دي!"

 وشه اتغير وبقى حاد زي السكينة: "دي أختي.. يعني عرضي ودمي ولازم استرها واجوزها علشان تفرح زي البنات!" 

رديت بوجع: "وأنا مراتك!"

في اللحظة دي.. الزمن وقف. مدحت مد إيده ومسك "الكنكة" اللي كانت بتغلي على النار، ومن غير تفكير ولا تردد.. حدفها في وشي. النار مسكت في جلدي، صرخت صرخة طلعت من روحي مش من حنجرتي.. 

القهوة كانت بتسيل على خدي ورقبتي زي السكاكين، والكنكة اتكسرت وصوتها كان عالي، بس مكنش أعلى من صوت قلبي اللي اتدشدش مية حتة.

بصيت له.. كان نفسي أشوف ذرة ندم، أي خوف عليا.. بس اللي شفته كان "غل". كأني أنا اللي غلطانة إني قولت "لأ" على حقي. زعق فيا: "كل ده عشان طلبت طلب بسيط؟"

 بصيت لـ "عبير".. كانت قاعدة مكانها متهزتش، ولا حتى قامت تجيب لي حتة تلج، ساعتها بس فهمت.. أنا مليش حد هنا.

بس المرة دي.. مانهارتش. حاجة نورت في دماغي فجأة.. مش ضعف ولا خوف، دي كانت "فوقة". طلعت أوضتي من غير ولا كلمة، وهو بينادي ورايا فاكر إني هقفل على نفسي وأعيط

وأترجاه يسامحني.. مكنش يعرف إن "مدحت" مات بالنسبة لي في اللحظة دي.

طبعا اخد اخته وخرج سمعتها بقوله تعال نخرج شوية علشان تهدي نفسك وهي تفكر وتعرف انها غلطانه في حقك وحقي بقلم نرمين عادل همام

صورت وشي بالموبايل.. الحرق، الوجع، الألم.. عشان يبقى دليل. كلمت الطوارئ، وكلمت صاحبتي "شيرين"، وفي دقايق طلبت شركة نقل عفش ونجار يغير القفل. كنت بتحرك بسرعة رهيبة كأن روحي هي اللي سايقة جسمي. جمعت هدومي وأنا ببص يمين وشمال.. كل الصور والذكريات والوعود طلعت كدب في كدب.

على الساعة 2 بعد نص الليل، الشقة كانت بتتفضى.. كل حاجة تخصني، كل حاجة دفعت فيها مليم، خرجت. حتى طقم الحلل والمعالق اللي كنت منقياها بالواحدة.. كله خرج. على الساعة 3 وربع، كانت الشقة "بلاط".

لما رجع مدحت ومعاه أخته  بعد ما هدى اعصابه . شافوا اللي مكنوش يتخيلوه. الشقة فاضية.. صدى صوتهم بيرد في الحيطان، والفراغ تقيل يقبض القلب. وفي نص الصالة كان واقف أمين شرطة، وعلى السفرة الفاضية كنت سايبة المحضر وورقة الخلع.

مدحت وقف مصدوم، ملامحه اتجمدت. عبير بصت حواليها بذهول وقالت: "إيه ده؟ فين العفش؟ فين الأكل؟" ضحكت ضحكة باردة وقولت لها: "الأكل في الشارع يا حبيبتي.. روحي هاتيه." أمين الشرطة قال بهدوء: "المدام عملت محضر تعدي، ومعاها تقرير طبي، والشقة

مثبتة باسمها في العقود." مدحت حاول يزعق: "دي شقتنا!" بصيت له في عينه وقولت بكلمة واحدة: "لأ.. دي شقتي أنا."بقلم نرمين عادل همام

لأول مرة أشوف في عينه "الذل". حاول يقرب، بس الأمين منعه وقاله: "اتفضل معانا على القسم." خرج وهو بيجر رجليه، ووراه أخته اللي كانت جاية تاخد "السند"، فخرجت وهي شايلة خيبتها. قفلت الباب وسندت بضهري عليه.. ولأول مرة أحس إني بتنفس بجد.

آذان الفجربدأ.. الصوت كان مالي الدنيا، بس الشقة كانت فاضية من "الأشخاص الغلط". قعدت على الأرض، والله طعم الحرية كان أحلى من أي فطار.

عدى أسبوع.. 

الجرح اللي في وشي هدي، بس "الندبة" فضلت علامة موجودة. في الأول كنت بخبيها، بعدين سيبتها.. دي وسام القوة بتاعي. وفي يوم الموبايل رن.. رقم مدحت. 

رديت بصوت ثابت: "عايز إيه؟"

 سكت شوية وقال بنبرة ذليلة: "أنا غلطت.. والله غلطت. عبير هي اللي سخنتني، والموضوع كبر مني.. ارجعي يا هناء، أنتي عارفة إني بحبك." 

ضحكت من قلبي: "بتحبني؟ اللي بيحب ما بيحرقش يا مدحت، واللي بيحترم ما بيبعش مراته عشان يرضي أخته." قال لي: "كانت لحظة ضعف."

 رديت عليه بكلمة أخيرة: "دي مكنتش لحظة ضعف.. دي كانت حقيقتك اللي ظهرت.. سلام يا مدحت."

قفلت السكة، وبصيت في المراية للندبة اللي في وشي.. وابتسمت.

القهوة اللي اتحرقت بيها مكنتش النهاية دي كانت خير .. دي كانت البداية اللي فوقتني على عمري اللي كان بيضيع.

بقلم نرمين عادل همام

تمت

تم نسخ الرابط