كاملة وممتعه

قسوة حماتي وظلم زوجي بقلم الكاتبه نرمين عادل همام

لمحة نيوز

اللي حصل.
لكن ياسمين لسه ما خلصتش...
لفت ناحية أبوها، ونظرتها كلها نار قديمة.
فاكر لما كنت صغيرة وسيبتني أعيط عشان ضربت أمي؟
فاكر لما وعدتني تبطل تهينها؟
أنا كنت ساكتة زمان... لكن النهارده لأ.
نوال بصت لبنتها، ودموعها نزلت بصمت.
أول مرة تحس إن حد واقف في صفها... بجد.
ياسمين قلبت السفرة 
السفرة كانت مقلوبة، والأكل متناثر، والوجوه مشدوهة.
لكن ياسمين ما اهتمتش بنظراتهم... كانت واقفة قدامهم لأول مرة من غير خوف، من غير تردد، ومن غير ما تحاول ترضي حد.
صدرها بيطلع وينزل من كتر الغضب، وعينيها محمرين، لكن صوتها كان ثابت بشكل أخافهم.
صرخت وهي بتشاور على السفرة المهدودة
لو كنتم متوقعين إن أمي هتفضل تستحمل كل حاجة وتسكت، يبقى محدش هياكل من أكلها تاني!
الصمت ضرب المكان تاني.
حتى ريم، اللي دايمًا لسانها حاضر، سكتت وبصت يمين وشمال تدور على حد يرد بدلها.
ياسمين لفت ناحيتهم، ونبرتها بقت أعمق... فيها قهر سنين بيتفك.
فاكرين لما كريم خسر في القمار؟
كريم انتفض من مكانه، ووشه شحب.
ياسمين... اخرسي.
لكنها كملت، كأنها فاتحة دفاتر قديمة لازم تتقري.
مئة ألف جنيه ديون! والناس كانت هتجرجره في المحاكم.
مين اللي دفعت؟ أمي.
باعت دهبها... دهب مهرها، اللي شقاه عمرها، وسددت من غير ما تقول كلمة.
نوال نزلت عينيها في الأرض، خدودها سخنة من الإحراج والألم.
كريم قال بعصبية وهو بيخبط على الترابيزة
دي أسرار بيت! إنتي مالك؟الكاتبه نرمين عادل همام
ياسمين ردت بقسوة
أسرار؟ لأ... دي فضايح أنتم مستخبيين ورا سكوت أمي.
بصت ل ريم، اللي كانت قابضة على سلسلتها الدهب.
وإنتي... رجعتي بيت أهلك أسبوع كامل عشان سامي جابلك مسحوق غسيل بدل عطر، وهددتي بالطلاق.
ريم شهقت
إنتي بتتبلي عليا!
بتبلى؟ طب قولي ما حصلش.
ولما كنتي حامل، مين كان بيصحى يجيبلك أكل الساعة اتنين الفجر؟
مين كان بيدلك رجلك؟
مين كان بينضف وراك ويغسل هدومك؟
أمي..
. من غير حتى كلمة شكر.
ريم اتلجلجت، وبصت لكريم تطلب نجدة، لكنه هو نفسه كان غرقان في خيبته.
هنا تدخلت الحاجة دولت، ووشها كله قسوة متوارثة.
وإيه يعني؟ كل الحموات بيعاملوا مراتات ولادهم كده.
ما هو الطبيعي الكبير يخدمه الصغير.
ياسمين لفت لها بحدة، وعينيها بتولع.
طبيعي؟
لما أمي كانت حامل فيا، في الشهر السابع، كنتي بتقولي ضهرك واجعك وتخليها هي تمسح وتطبخ وتغسل.
كنتِ شايفة نفسك مظلومة ساعتها؟ ولا شايفة أمي عبدة؟
الحاجة دولت فتحت بوقها ترد، لكن ولا كلمة خرجت.
سامي قام واقف بعنف، الكرسي اتحرك وطلع صوت عالي.
وشه احمر، وعروقه بارزة، وصوته رج المكان.
إنتي اتجننتي؟!
إيه الأسلوب ده؟
إنتي فاكرة نفسك مين؟
ياسمين بصت له بثبات، رغم إن قلبها كان بيدق بجنون.
أنا بنت الست اللي ظلمتوها تلاتين سنة.
سامي قرب خطوة، وصباعه مرفوع في وشها.
أمك ما اشتكتش!
أمك عمرها ما قالت إنها مظلومة.
ياسمين ردت بسرعة، وصوتها اتكسر من الوجع
لأنها كانت خايفة... مش لأنها راضية.
الجملة دي نزلت على نوال زي صدمة.
رفعت عينيها لبنتها، ودموعها سالت بصمت... دموع ست لأول مرة حد نطق الحقيقة بدلها.
لكن سامي ما لانش.
ضحك ضحكة باردة، قاسية، فيها كِبر وإهانة.
هي الوحيدة معاكي؟ كويس.
بص لنوال، ثم لياسمين، وقال بمنتهى البرود
خدي أمك وامشوا.
واروحوا في أي حتة.
وخلي الخريجة الجديدة دي تصرف عليكي.
ومن النهارده... ما ترجعيش البيت ده أبدًا.
الكلمات نزلت كالرصاص.
نوال شهقت، وإيدها راحت على قلبها.
أما ياسمين... فوقفت مكانها، جسمها بيرتعش، لكن عينيها ما نزلتش.
كانت عارفة إن اللحظة دي هتيجي يومًا ما.
بس عمرها ما تخيلت إن أبوها هيختار كرامته المزيفة... بدل مراته وبنته.
بعد ما قال سامي كلمته القاسية، ومد إيده ناحية الباب كأنه بيطرد غرب... سكت البيت كله لحظة.
نوال كانت قاعدة على الكنبة، جسمها مرتخي من الصدمة، وعينيها تايهة.
مش قادرة تستوعب إن الراجل
اللي عاشت معاه عمر كامل... طردها هي وبنتها كأنهم حمل تقيل.
ياسمين قربت منها بسرعة، ركعت قدامها، ومسكت إيديها المرتعشتين.
قومي يا ماما... يلا.
نوال بصتلها بعيون مليانة دموع وخوف.
نروح فين يا بنتي؟
أنا ماليش غير البيت ده... عمري كله هنا.
ياسمين بلعت وجعها، ومسحت دموع أمها بإيدها.
هنروح شقة جدو القديمة.
الحاجة دولت انفجرت ضحك بسخرية، وكانت بتسقف بإيديها الصغيرة في شماتة.
شقة أبوكي؟!
يا نهار أبيض... دي البيت مليان تراب وعناكب، ومحدش فتحه من سنين!
روحوا... روحوا ناموا مع الفيران.
ريم ضحكت هي كمان من طرف مناخيرها، وهي بتعدل شعرها.
أما كريم، فكان واقف يتفرج من غير ما ينطق... كأن اللي بيحصل ما يخصوش.
نوال حطت إيدها على صدرها، ودموعها بتنزل.
بعد السنين دي كلها يا سامي؟
بعد العمر ده كله؟
لكن سامي ما بصش لها حتى، كان واقف يظبط أزرار قميصه ببرود.
ياسمين قامت، دخلت أوضتها بسرعة، وفتحت الدولاب بعصبية.
بدأت تلم هدومها في شنطة كبيرة... ترمي الفساتين، الجينزات، اللوحات، أدوات الرسم، كل حاجة تقع قدامها.
وبإيد تانية كانت بتلم هدوم أمها عباياتها، طرحتها، دواها، شبشبها، نظارتها.
وفي وسط الهرجلة، طلعت الموبايل واتصلت بصاحباتها.
أول ما واحدة ردت، صوت ياسمين اتكسر.
يا بنات... بابا طردني أنا وماما من البيت.
سكتة قصيرة... بعدها أصوات غضب.
إيه؟!
إزاي؟!
إحنا جايلك حالًا!
واحدة اسمها ريهام قالت فورًا
تعالي اقعدي عندي. أنا وماما لوحدنا بعد وفاة بابا، البيت واسع.
لكن نوال هزت راسها من بعيد وهي سامعة.
لأ... ماحبش أبقى تقيلة على حد.
ياسمين بصتلها، وبعدين قالت في التليفون
ماما عايزة تروح شقة جدو القديمة.
ريهام ردت من غير تفكير
ولا يهمك. أنا هجيب البنات كلهم ونسبقكم هناك. محدش هيلم تراب لوحده.
بعد نص ساعة، الشنطتين كانوا واقفين عند الباب.
ياسمين ساندت أمها، وخرجوا.
الحاجة دولت كانت واقفة عند المدخل، مبتسمة
ابتسامة صفراء.
سلام يا حلوين... وخدوا معاكم مسحوق الغسيل!
ريم ضحكت بصوت عالي.
نوال نزلت راسها، لكن ياسمين بصتلهم نظرة احتقار، ومشيت.
ركبوا التاكسي، والسواق حط الشنطتين في الشنطة الخلفية.
وأول ما العربية اتحركت، سامي بص لابنه وقال وهو واثق
سيبك منهم يا ابني... يومين تلاتة وراجعين يجروا.
كريم حك دقنه وقال بخبث
على فكرة... أنا كنت ناوي أفتح مع أمي موضوع بيع البيت القديم ده.
بيت قديم وتحت منه دكانين مقفولين... إيه لازمتهم؟
سامي ابتسم ابتسامة نصر.
ما تقلقش... اللي إنت عايزه هيحصل.
هيقعدوا يومين ويزهقوا.
مين هيعرف يعيش في بيت مقفول من سنين؟
وبعدين هيصرفوا منين؟
وأختك قبل ما تمشي رمت الفيزا.
الاتنين ضحكوا.
الحاجة دولت قالت وهي بتشرب الشاي
الست مالهاش غير جوزها. لما تعرف قيمته هترجع تزحف.
ريم عدلت رجل على رجل وقالت بتكبر
أم ياسمين صعبة أوي.
دي لا بتشتغل، ولا معاها شهادة، ولا تعرف تعمل حاجة.
تحمد ربنا إنه مستحملها.
وصلت ياسمين وأمها البيت القديم.
العمارة كانت قديمة، والباب الخشب عليه تراب الزمن.
لكن أول ما طلعوا، اتفاجئوا.
مش واحدة ولا اتنين...
كان تقريبًا نص دفعة الفنون الجميلة واقفين قدام الشقة، ماسكين مكانس، وجراكن مية، ومناديل، وضحك.
مفاجأة!
ياسمين شهقت، وحضنتهم واحد واحد.
كلهم كانوا بيحبوا ياسمين... وبيحبوا نوال أكتر.
الست اللي كانت تبعت مع بنتها سندوتشات زيادة عشان صحابك ياكلوا يا حبيبتي.
واحدة جريت حضنت نوال.
إزيك يا طنط؟ النهارده دورنا نرد الجميل.
فتحوا الشقة.
ريحة تراب قديم، ملايات مغطيه العفش، شبابيك مقفولة، وذكريات نايمة.
لكن البنات دخلوا كأنهم داخلين معركة.
يلا يا جماعة!
واحدة تكنس، واحدة تمسح، واحدة تنفض، واحدة تفتح الشباك.
كل ما نوال تحاول تساعد، يصرخوا
إيدك يا طنط! اقعدي إنتي ملكة.
بعد ساعات...
البيت اتقلب.
النور دخل، الهوا اتحرك، البلاط لمع.
واحدة جابت ملايات جديدة
وفرشت السراير.
واحدة علقت ستاير خفيفة.
واحدة جابت زرع صغير على الشباك.
بقى البيت بينور.
البنات وقفوا في النص وقالوا لياسمين
البيت ده مش بيتك إنتي بس... ده بيتنا
تم نسخ الرابط