كاملة

ميناء الاسرار بقلم نرمين عادل همام

لمحة نيوز

ميناء الاسرار بقلم نرمين عادل همام
الباب بتاع الحمام كان بيترج بقوة لدرجة إن المراية اللي فوق الحوض اتشرخت نصين.
هند كانت سانده ضهرها على البانيو الرخام، وحاطه إيدها على بوقها عشان تكتم صرختها، والإيد التانية ماسكة موبايل صغير كانت مخبياه في بطانة شنطتها السواريه. كان فيه خيط رفيع من ال نازل من عند جبينها ولطخ طرف فستانها الستان اللي لبساه في فرح أختها.
تحت في القاعة الكبيرة في فندق الماسة في القاهرة، كان الفرح شغال والأنوار مكسرة الدنيا. فرقة الموسيقى بتعزف، والناس من عائلات المجتمع الراقي بيضحكوا وبيشربوا العصير، والكل بيصور. أختها آية أكيد كانت دلوقتي بتقطع التورتة وهي مش فاهمة حاجة، في الوقت اللي جوز هند كان بيحاول يكسر باب الحمام بكتفه.
افتحي الباب يا حبيبتي، بلاش شغل عيال.
صوت ياسين كان هادي جداً وهو بيتكلم من ورا الباب.
وده كان أرعب شيء في الموضوع.. ياسين عمره ما بيبان عليه الخطر وهو في قمة غضبه. صوته دايماً بيفضل مهذب وراسي، زي ما بيظهر في التليفزيون وهو بيتبرع لمستشفيات أو بيتكلم عن القيم والأخلاق.
الباب اتخبط خبطة تانية قوية.
هند اتنفضت من الوجع اللي سمع في ضلوعها.
ياسين قال بصوت واطي والله يا هند لو خليتيني أتحرج قدام الناس والضيوف، هخلي أختك تبدأ حياتها بمصيبة قبل ما الليلة تخلص.
هند بصت للموبايل اللي في إيدها.
ماكانش فيه غير رقم واحد بس متسجل.
رقم من غير اسم.
مجرد عشر أرقام مكتوبين على كارت أسود، سلمهولها راجل من تلات شهور بعد ما اتدخل ومنع ياسين إنه يمد إيده عليها في ممر المعرض الفني.
الراجل ده كان اسمه سليم عز الدين.
في القاهرة، الناس مابتنطقش اسمه بصوت عالي.
بيوشوشوا بس لما ييجي سيرته. فيه اللي

بيقول عليه رجل أعمال تقيل، وفيه اللي بيقول عليه صاحب بلد. الكل عارف إن كلمته مسموعة في المينا، وفي شركات النقل، وفي المقاولات، وإن اللي بيقف في طريقه بيختفي قبل ما حد يحس بيه.
هند قعدت ٩٠ يوم تقنع نفسها إنها مستحيل تطلب الرقم ده.
بس لما شافت خشب الباب بدأ يتفلق من عند القفل، داست اتصال.
الخط رن مرة.. التانية.. وبعدها جيه الرد بصوت عميق وبارد زي الشتا.
هند؟
دموعها نزلت غصب عنها وهي بتقول ممكن تيجي تاخدني؟
لحظة سكوت.. وبعدها نبرة صوته اتغيرت تماماً، بقت حادة زي الموس إنتي فين؟
فندق الماسة.. الدور التالت.. الجناح اللي جنب السلم الشرقي. صوتها كان بيقطع وهي بتسمع خبطات ياسين بتزيد هيموتني يا سليم.
سليم رد عليها بحزم ادخلي جوه البانيو.. خليكي واطية وداري راسك بإيدك.
سليم..
أنا جاي.
الخط قطع.
هند فضلت باصة للموبايل كأنه طوق نجاة وفي نفس الوقت حكم بالإعدام.
بره البان، ياسين ضحك ضحكة قصيرة إنتي كلمتي حد يا هند؟
صوته اللي بقى مرح فجأة خلى جسمها يقشعر من الرعب.
يا ساتر يا هند.. إنتي بجد مابتتعلميش.
الباب اتشرخ أكتر.
هند جرت بسرعة واستخبت جوه البانيو، كرمشت نفسها وحطت إيدها فوق راسها، وفي الوقت ده، تحت في القاعة، كان فرح أختها مكمل والزغاريط مالية المكان.
قبل تلات شهور، كانت هند لسه فاكرة إن النجاة معناها إنها تسمع الكلام وتنفذ الأوامر.
بقالها ٤ سنين متجوزة ياسين الحديدي. قدام الناس، هو الوريث الذهبي لمجموعة الحديدي للمقاولات، الملياردير اللي عمر مناطق كاملة، وبيعمل لقاءات في القنوات، وبيبوس إيد هند قدام الكاميرات لدرجة إن الناس بتكتب عليهم في التعليقات أجمل كابل في مصر.
لكن جوه شقتهم اللي في الزمالك، كان بيحسب لها هتاكل
إيه، بيراقب موبايلها، بيختار لها لبسها، بيعدل لها حتى ضحكتها، وكان بيعاقبها على أي غلطة بشرية بسيطة.
عمره ما مد إيده عليها في مكان ممكن الكاميرات تشوفه.
كان دايماً ينقي الأماكن المستخبية؛ الضلوع، فروة الرأس، الكتف. بقلم نرمين عادل همام
مرة، لما اعترضت على كلامه في العزومة بخصوص ميزانية جمعية خيرية، مسك إيدها وحطها تحت مية مغلية لغاية ما جلدها اتحرق، وتاني يوم بعت لها بوكيه ورد ومعاه كارت مكتوب عليه خلينا نحاول نكون أحسن مع بعض.
الهروب ماكانش سهل. ياسين يعرف ناس في كل حتة؛ قضاة، لواءات، دكاترة، وصحفيين. بس اللي كان حابسها بجد كانت آية.
أختها الصغيرة عندها ٢٦ سنة، طيبة وعلى نياتها، وفاكرة إن الفلوس بتخلي الناس في أمان. آية اتعرفت على كريم، ابن عيلة كبيرة في المنصورة، عن طريق معارف ياسين. الخطوبة والترتيبات تمت بسرعة.. بسرعة زيادة عن اللزوم. هند اعترضت مرة واحدة بس براحة، ياسين وقتها ابتسم وهو بيشرب قهوته وقال لها
خلي بالك.. آية فرحانة. مخلينيش أكسر لها فرحتها دي.
هند فهمت التهديد فوراً.
فسكتت.
بقت تلبس كم طويل وهي رايحة تقابل أصحابها، وبطلت تخرج معاهم أصلاً. كانت بتضحك جنب ياسين في الحفلات وتقول لنفسها لو قدرت أحمي آية من غضبه، يبقى على الأقل فيه حياة واحدة فينا هتعيش بسلام.
لغاية ما سليم عز الدين لاحظها..
الموضوع بدأ من ٣ شهور، في حفلة خيرية كبيرة في متحف الفن الإسلامي. ياسين كان شرب كتير يومها، وهند قعدت وقت طويل تتكلم مع صحفية شابة كانت بتسألها عن نشاطها في جمعيات محو الأمية.
فجأة، إيد ياسين قبضت على رقبتها من ورا بقوة، وهو راسم ابتسامة عريضة قدام الناس، وبدأ يوجهها ناحية ممر فاضي بعيد عن عيون الضيوف جنب التماثيل
القديمة.
ياسين همس بحدة وهو بيجز على سنانه إنتي عاجبك اللمة والمنظرة دي أوي الليلة دي، مش كدة؟
هند بصوت مخنوق ياسين.. أرجوك.. الناس ممكن تشوفنا.
رد ببرود لا، محدش شايف حاجة.
ورفع إيده عشان يضربها، لكن قبل ما إيده تنزل، فيه إيد تانية قوية جداً قبضت على معصمه ووقفتها في الهوا.
كان سليم عز الدين. واقف جنبهم ببدلته السودة الفخمة اللي كانت مرسومة عليه رسم، طول وعرض وهيبة تخلي الواحد يخاف يتحرك قدامه. عينيه ماكانش فيها غضب، كان فيها حاجة أوحش بكتير.. كان فيها ثقة مرعبة.
سليم قال بلهجة هادية بس تقطع القلب أظن المدام قالت أرجوك يا أستاذ ياسين.
ياسين وشه جاب ألوان.. هند عمرها ما شافته كدة؛ مهزوز ومرتبك. حاول يضحك بس ضحكته طلعت مهزوزة وقصيرة سليم بيه.. دي محادثة خاصة بيني وبين مراتي.
سليم مالتفتش لكلامه وقال مبقتش خاصة خلاص.
للحظة، الاتنين بصوا لبعض، وهند حست إن الجو حواليهم اتكهرب. أصابع ياسين سابت رقبتها، وسليم نطر إيده بقرف كأنه لمس حاجة ملوثة.
سليم بص لياسين بجمود ابعد إيدك عن مراتك.. وإلا أنا اللي هشيلهالك خالص.
ياسين رجع خطوة لورا بخوف.
وفي الليلة دي، قبل ما سليم يختفي وسط الزحمة، حط كارت أسود في إيد هند. الكارت ماكانش عليه أي لوجو ولا حتى اسم.. مجرد رقم موبايل.
قالها بصوت واطي ومريح لما تحسي إن بيتك بقى سجن.. اطلبي الرقم ده.
هند ردت عليه وهي مشوشة أنا معرفكش.
سليم رد بجملة واحدة فعلاً.. بس أنا عارف الأشكال اللي زي جوزك ده كويس.
لمدة ٩٠ يوم، هند كانت مخبية الكارت في بطانة علبة مجوهراتها. كل يوم تقول لنفسها هحرقه، وبدل ما تحرقه، حفظت الرقم في سرها زي اسمها.
ليلة فرح آية بدأت بالورد الأبيض والزينة اللي مالية القاعة
في فندق الماسة. عيلة كريم العريس صرفوا مبالغ خيالية، النجف
تم نسخ الرابط