كاملة
ميناء الاسرار بقلم نرمين عادل همام
قدام ترابيزة عليها ورق كتير، وكان ماسك في إيده مسدس.
هند دخلت المكان. ياسين ابتسم ببرود كأنه لقى حاجته الضايعة أهي جات لغاية عندنا. آية بدأت تعيط هند.. أنا آسفة، مكنتش أعرف والله. كريم زعق ل ياسين إنت قلت لي إنها هتمضي ومحدش هيتأذي! ياسين بصه له بقرف عشان كدة أبوك عمره ما وثق فيك في شغلنا الحقيقي.
ياسين خبط على الورق امضي يا هند.. وبعدها إنتي وأختك تمشوا من هنا بسلام. هند ردت بكل ثبات لا.
ياسين استغرب.. هند كانت دايماً بتقول لا وهي بتترعش وبتموت من الخوف، بس المرة دي كانت واقفة صلبة فاكرة إن سليم هيحميكي للأبد؟ هند لا.. أنا عارفة إن حق ماما هو اللي هيحمينا.
طلعت من جيبها مفتاح قديم.. آية برقت ده مفتاح السلسلة اللولي بتاعة ماما؟ هند لقت المفتاح ده في بطانة شنطتها، مكان ما كانت ماما دايماً بتخبي الحاجات المهمة. ياسين وشه اتغير جبتي المفتاح ده منين؟ هند ماما سابتهولي.. سابت لنا كل حاجة؛ الأرض، الحسابات، والأدلة اللي تفضحكم وتفضح أي حد ساعدكم.
صوت السماعة في ودنها طقطق.. سليم كان بيسمع كل كلمة، والمسؤولين كمان. هند كملت عشان تخليه يعترف عشان كدة اتجوزتني؟ ياسين ضحك بسخرية ماتديش لنفسك حجم أكبر من حجمك.. اتجوزتك عشان مامتك ماتت وإنتي كنتي وحيدة ومحتاجة حد يقولك تعملي إيه. كان موضوع سهل أوي.
آية صرخت من الصدمة، وكريم حاول يهدي ياسين، بس ياسين كان خلاص الغل عماه أمك بوظت لنا شغل بلميارات عشان شافت بنت صغيرة بتبكي في مركب شحن.. بنت واحدة! عارفة الرجالة خسروا قد إيه بسبب ضمير أمك ده؟
قرب منها والمسدس في إيده أمك شالت الدفاتر في مكان ما هنا.. وأنا قلت بدل ما أدور، أسيطر على الورثة. كنتي إنتي سهلة، وآية عاطفية، وكريم كان مجرد وسيلة.
فجأة الجو اتغير.. ياسين بص ورا هند واتجمد. كان سليم واقف عند المدخل. من غير سلاح، من غير غضب باين.. بس هيبته كانت كفيلة تهد المكان. سليم
ياسين رفع المسدس، وفي ثانية واحدة كل حاجة حصلت؛ هند نزلت الأرض، القوات دخلت من الأبواب والشبابيك، وسليم كان أسرع مما أي حد يتخيل، زق إيد ياسين لفوق والرصاصة جات في السقف.
السيطرة تمت في ثواني. هند جرت على آية وفكتها، والاتنين حضنوا بعض وهما بيعيطوا. القوات قبضت على ياسين وكريم.
ياسين بص ل هند بكل غل وهو بيتسحب فاكرة إنها خلصت؟ هند وقفت وحطت إيدها على وجعها وقالت له بقوة لا.. هي لسه بتبدأ بيك.
دخلت المحامية ومعاها الفنيين، وبالمفتاح اللولي فتحوا صندوق حديد قديم كان مستخبي تحت أرضية المكتب. جوه الصندوق كانت الكنز؛ دفاتر فيها أسماء، رشاوى، طرق تهريب، وعلاقات مشبوهة.. وكلها بخط يد مارجريت أم هند. ومعاهم رسالة لبناتي.. لما تكون الحقيقة أغلى وأبقى من السكوت.
عند الشروق، كانت هند وآية قاعدين على العربية، والرسالة في إيديهم. ماما كانت بتعتذر لهم إنها سابت لهم الحمل ده، بس كانت بتعلمهم إن النجاة مش في السكوت.. النجاة في الحقيقة اللي بتستنى الوقت عشان تتنفس.
بعد أسبوع، الدنيا اتقلبت. ياسين الحديدي وعيلة كريم بقوا في كل الجرايد بتهم خطف، ونصب، وغسيل أموال. المحامية نشرت صور إصابات هند والتسجيلات عشان العالم كله يعرف الحقيقة.
سليم اختفى ٣ أيام، وهند حست بفرق.. كانت بتفكر فيه كتير. في الليلة الرابعة، لقته واقف في بلكونة البيت اللي هي مستخبية فيه، بيبص على البحر. كان قالع جاكت البدلة، وبان إنسان طبيعي لأول مرة.
هند اختفيت فين؟ سليم كنت سايب لك مساحة تتنفسي. هند أنا مطلبتش مساحة.. متبقاش تقرر مكاني أنا محتاجة إيه، ياسين هو اللي كان بيعمل كدة.
سليم بص لها بأسف وقال ببساطة عندك حق.. أنا آسف. وقفوا جنب بعض ساكتين شوية، وبعدين هند سألت مش عارفة إيه اللي هيحصل لي بعد كدة. سليم هتخفي.. وتعيشي. هند البطء ده بيخنقني.
سكت سليم شوية وهو بيبص للسما، وقال بنبرة هادية بس فيها ثقل السنين أنا راجل إيديه مش نظيفة يا هند.. راجل كان مديون لأمك بدين كبير، وماتفتكريش إن حكايتي حكاية سهلة أو نهايتها وردية.
هند كانت بتقدر الصراحة أكتر من أي حاجة تانية أنا مابطلبش منك تكون مثالي. سليم المفروض تطلبي كدة. هند ومتبقاش تقرر لي أنا عاوزة إيه برضه.
عينيه لمعت بابتسامة خفيفة أوي حقك.. عندك حق.
بصت هند لإيديها، الكدمات بدأت تتغير ألوانها من الأزرق للأصفر.. ألوان توجع، بس كانت علامة إن الوجع بيمشي. هند أنا قعدت ٤ سنين ملك لشخص تاني.. مش عاوزه أنتمي لأي حد دلوقتي.
صوت سليم هدي وبقى فيه احترام حقيقي ده صح جداً.
هند استغربت من رده، فلف ووشه بقى في وشها يوم ما شيلتك وخرجت بيكي من الفندق، مكنتش باخدك عشان تبقى بتاعتي.. كنت برجعك لنفسك. افتكري الكلمة دي كويس يا هند.. خصوصاً وإنتي قريبة مني.
دموعها نزلت غصب عنها.. مش خوف، بس لأنها أول مرة في حياتها تقابل حد بيديها حريتها من غير ما يطلب فاتورة أو تمن للجدعنة دي. بقلم نرمين عادل همام
بعد ٦ شهور..
وقفت هند جوه مبنى قديم تم تجديده بالكامل في منطقة المينا، والصحفيين والناس ملمومين بره. المكتب القديم اتحول ل مركز مارجريت ويتاكر، بقى ملجأ قانوني ومكان آمن للستات اللي بيتعرضوا للقسوة أو السيطرة، وبيحتاجوا حد يقف جنبهم. آية كانت ماسكة برنامج التواصل مع العائلات، والمحامية سلمى كانت عضو في مجلس الإدارة. حتى المسؤولة اللي ساعدت في القبض على ياسين، كانت حاضرة الافتتاح بعيد عن الكاميرات.
هند مابقتش تستخدم اسم الحديدي. رجعت تاني هند ويتاكر.
جسمها خف، وشعرها طال لدرجة إنه غطى أثر الجرح القديم. النوم لسه مابيجلبهاش بسهولة؛ ساعات تصحى مخضوضة بتدور على موبايلها، وساعات تعيط لأن هدوء المطبخ وهي بتعمل
التعافي ماكنش لقطة في فيلم.. كان ورق، وجلسات علاج نفسي، ومواعيد محكمة، ونوبات قلق في السوبر ماركت. كانت بتتعلم تختار لبسها بنفسها، وتتعلم إن الباب المقفول مش دايماً وراه تهديد، وتتعلم تقول لا بصوت عالي وواضح.
ياسين كان مستني المحاكمة وهو محبوس، وصحابه وتجار الشطارة كلهم اتبروا منه، واسمه اللي كان مالي المباني اتمسح من كل حتة. جواز آية وكريم اتمسح وكأنه لم يكن، وعيلة العريس انهارت بسبب القضايا اللي نزلت فوق راسهم.
أما سليم عز الدين.. ففضل زي ما هو؛ راجل قوي، غامض، وصعب تحطه في خانة الطيبين أو الأشرار اللي في الأفلام، بس هو الراجل اللي ظهر في وقت الشدة.
ماحضرش حفلة الافتتاح وقص الشريط، وهند كانت متوقعة ده. بس بعد الحفلة، لما الناس مشيت والمينا بقى لونها ذهبي تحت شمس الغروب، لقت كارت أسود على مكتبها. لا اسم.. ولا لوجو.. بس فيه كلمة مكتوبة بخط الإيد في الظهر
والدتك كانت هتبقى فخورة بيكي.. س.
ابتسمت هند وحطت الكارت في درج مكتبها. مش كطوق نجاة المرة دي.. بس كذكرى. في يوم من الأيام، طلبت راجل يخوف من حمام الفندق لأنها افتكرت إن مفيش حد غيره هينجدها. دلوقتي، الستات هما اللي هيجوا لها هنا.
هيدخلوا من الباب الأزرق لمركز مارجريت، وهما مخبيين وجعهم ورا أكمامهم، وخوفهم ورا ابتسامة باهتة، ومعاهم قصص محدش صدقها قبل كدة.. وهند.. هتصدقهم.
آية دخلت المكتب ومعاها كوبايتين قهوة إنتي كويسة يا هند؟ بصت هند من الشباك على المينا.. المكان اللي كان زمان بيخبي الجرايم، بقى دلوقتي بيحمي الستات لغاية ما يقدروا يواجهوا العالم.
هند ردت بمنتهى الصدق أنا مش كويسة بنسبة مية في المية.. بس أنا حرة.
سندت آية راسها على كتف أختها، وفضلوا يتفرجوا على آخر ضوء للشمس وهو بيلمس المية، وهما مش مستنيين ولا خايفين إن حد يكسر عليهم الباب
بقلم نرمين عادل همام
النهاية