كاملة وممتعه

قسوة حماتي وظلم زوجي بقلم الكاتبه نرمين عادل همام

لمحة نيوز

كلنا.
بعدها بشوية، بدأت الأمهات تيجي.
اللي جاية بصينية مكرونة بالبشاميل.
واللي جاية ب مسقعة باللحمة المفرومة.
واللي جاية بمحشي، واللي جاية بحلو.
قعدوا كلهم ياكلوا، ويضحكوا، ويهزروا.
نوال كانت مبتسمة... لكن قلبها لسه قلقان.
ريهام خدت نوال على جنب، وقالت بهدوء
بقولك يا طنط... ياسمين حكتلي كل حاجة.
نوال تنهدت.
والله يا بنتي مش عارفة هصرف منين.
ريهام قربت أكتر.
تحت البيت دكانين مقفولين، صح؟
نوال رفعت عينها.
أيوه... زمان بابا كان مشغلهم بقالة.
سكر، زيت، سمنة، مكرونة... كل طلبات البيوت.
ريهام ضربت كف بكف.
أهو الحل!
نفتحهم تاني.
نوال اتفاجئت.
دلوقتي؟
آه دلوقتي.
وأخويا محامي، يخلصلك أي تصاريح من الحي.
ولو محتاجين تصليحات نعملها.
المنطقة شعبية والدكانين هيمشوا نار.
الكلام لمس قلب نوال.
افتكرت أيام أبوها... لما كانت داخلة بيت جوزها وعزيزة، وكل حاجة متوفرة، وحماتها ما تعرفش تكسرها.
قالت بهدوء
أخويا في كندا من سنين... أكلمه.
وبالليل كلمته، وحكتله كل حاجة.
أخوها سكت شوية... ثم قال
طالما مش طالبة مني فلوس، اعملي اللي يريحك.
ولو عايزة توكيل، أبعت فورًا.
نوال دموعها نزلت.
كفاية إنك مش زعلان.
ضحك وقال
أزعل من إيه؟ دي ورثك وحقك.
وفعلاً... في ظرف أيام قليلة
الدكانين اتنضفوا.
المحامي خلص الورق.
البضاعة دخلت.
سكر، رز، زيت، سمن، مكرونة، منظفات... كل حاجة.
والناس بدأت تشتري.
كل يوم فطار وغدا وعشا موجود.
البنات كانوا جايين كأنهم في رحلة.
مرة يقفوا في المحل.
مرة يحاسبوا.
مرة يرتبوا الرفوف.
وجابوا دهانات...
وبدأوا يرسموا على الحيطان.
رسومات فرعونية، ورد، ألوان مبهجة، طيور، شمس الكاتبه نرمين عادل همام
المكان بقى تحفة.
واحدة ضحكت وقالت
إحنا عاملينه مشروع تخرج!
نوال وقفت جنب ياسمين، وبصت للمحل والبيت والبنات... وعينيها بتلمع فخر.
لأول مرة من سنين...
حست إنها مش ضيفة في الدنيا.
وبعد أسبوعين تلاتة...
كان حال بيت سامي بقى غير الحال.
ريم طول النهار نايمة.
لا غسيل، لا طبيخ، لا ترتيب.
مهتمية بضوافرها، وشعرها،
وصورها على السوشيال ميديا.
والبيت... بدأ ينهار واحدة واحدة.
بعد ما نوال سابت البيت، المكان ما بقاش بيت... بقى خرابة ساكتة.
في أول كام يوم، سامي كان داخل خارج متخيل إن الأمور عادي، وإنها يومين وتنكسر وترجع.
كان فاكر إن البيت بيمشي لوحده... زي ما كان فاكر طول عمره إن الغسيل بيتغسل لوحده، والأكل بيطلع لوحده، والهدوم بتتكوي وتترص لوحدها.
رجع من شغله يوم، دخل أوضته، فتح الدولاب... اتصدم.
ولا قميص متكوي.
ولا بنطلون مترتب.
ولا شراب متلموم.
هدوم الخروج مرمية في سبت الغسيل من أيام، زي ما كان بيقلعها ويرميها ويمشي.
بص حواليه.
ريحة الأوضة خانقة.
فين البخور اللي كان مالي المكان؟
فين الشباك المفتوح الصبح؟
فين الملاية المتغيرة؟
فين المخدات المترتبة؟
فين المشط اللي دايمًا مكانه معروف؟
دلوقتي...
المشط مرمي على الأرض.
السرير مكركب.
الدبان مالي الأوضة.
والشباك مقفول من أيام.
وقف ساكت... وحاجة جواه بدأت تتهز.
نزل يدور على أمه، الحاجة دولت.
الصالة فاضية.
لا صينية قهوة، ولا صوت التلفزيون، ولا ست قاعدة تنتقد الدنيا.
خبط على باب أوضتها.
يمّا؟
صوتها جه واطي، مكسور
ادخل.
دخل، لقاها قاعدة على الكنبة، هدومها نفسها من يومين، شعرها الأبيض منكوش ومضفور ضفيرتين عشوائي، ووشها تعبان.
قال بذهول
مالك يا أمي؟
بصتله، وسكتت شوية، ثم قالت
عمري ما كنت فاكرة إن البيت يوصل لكده وهي مش موجودة.
الكلمة دخلت فيه زي السهم.
قعد قدامها وقال بنبرة تايهة
هو أنا... ما كنتش عارف قيمتها؟
الحاجة دولت عدلت قعدتها وقالت بكبرياء قديم
هات خدامة يا ابني.
ما هي كانت إيه غير خدامة؟
سامي ضحك ضحكة مرة.
خدامة؟
إمتى دخل بيتي خدامين؟
ولما كانت بتتعب وتجيب واحدة تساعدها من مصروف البيت، كنتِ إنتي أول واحدة تعترضي.
وتقولي ما أأمنش على بيتي لواحدة غريبة.
سكت لحظة، وبص في الأرض.
أنا عمري ما كنت أعرف الفلوس اللي بسيبها في أي حتة بتروح فين... كنت برجع ألاقيها مترتبة فوق بعض.
ولا مرة مدت إيديها على جنيه.
ولا مرة خانتني في حاجة.
الحاجة دولت قلبت
وشها الناحية التانية، والكلام ما عجبهاش.
قام سامي.
أكلتي؟
قالت بعصبية
لأ. ابنك بيجيبلي ساندوتشات كل شوية... شاورما وبرجر وبيتزا.
قال بضيق
والحاجات دي تبوظ معدتك... إنتِ عندك كبد ومرارة.
ما ردتش.
دخل المطبخ...
واتخض.
ريحة زبالة.
سبت الزبالة طافح.
أكياس سوداء مفتوحة.
الدبان طاير.
المواعين جبال.
بواقي أكل ناشفة في الحلل.
زعق بأعلى صوته
كرييييم!
طلع كريم من أوضته نايم ومضايق، وورا منه ريم بتتمطى.
في إيه يا بابا؟
أشار للمطبخ.
إيه الزريبة دي؟
ريم حطت إيديها في وسطها وقالت ببرود
وأنا مالي؟ بتزعقلي ليه؟
أنا ما بحكمش عليا غير جوزي.
كريم فرك عينه وقال
إيه يا بابا... سيبها.
سامي بصله مصدوم.
مراتك سايبة البيت بالشكل ده وعاجبك؟
ريم ردت بوقاحة
أنا مش خدامة.
إنت اتجوزتني من بيت أهلي وعارف إني ما بعملش شغل بيت.
من يوم ما اتجوزت وأنا بافطر وأتغدى وأتعشى جاهز.
لا غسيل مواعين، ولا طبيخ، ولا كنس.
وبصت لكريم
لو الكلام مش عاجب باباك، أروح بيت أهلي.
كريم قال فورًا
وعندها حق يا بابا.
أنا متجوزها عشان أرمطها يعني؟
سامي قرب منه، وصوته بقى نار
آه... وإنت مش متجوزها عشان ترمطها.
وأنا اتجوزت أمك عشان أرمطها؟
المطبخ سكت.
حتى ريم اتفاجئت.
قالت وهي بترفع دقنها
أكيد أنا أحسن من مراتك.
أنا متعلمة، وشيك، وبشتغل على نفسي... هي آخرها البيت.
سامي حس إن الكلمة دي اتردتله من سنين... نفس الكلام اللي كان بيقوله هو.
اتنهد وقال
أنا اللي غلطان.
كريم اتعصب
لو قعدتي تضايق مراتي، هاخدها ونمشي.
ريم قالت بسرعة
يا ريت... يا نأجر شقة في مكان محترم.
سامي بصلهما ببرود
مين هيدفع؟
ما حدش رد
لبس هدومه، خد عربيته... وراح للبيت القديم.
المنطقة شعبية، زحمة، أصوات ناس، حياة.
وقف بالعربية، وبص مذهول.
فين البيت القديم المقفول؟
الواجهة مرسوم عليها رسومات جميلة، ألوان وفرعوني وورد.
عرف فورًا إن ياسمين ودفعتها ورا ده.
والأكتر...
الدكانين مفتوحين.
ناس داخلة طالعة، زحمة شراء، أكياس، أطفال، رجالة وستات.
دخل واحد من المحلين.
وقف مكانه.
نوال
قاعدة على الكاشير.
لابسة حجابها وعبايتها الواسعة، زي ما اتعود.
لكن وشها...
مبتسم.
ابتسامة من قلبها.
ابتسامة ما شافهاش من سنين.
الأرفف مليانة بضاعة.
زيت، سكر، رز، مكرونة، جبن، منظفات.
همس لنفسهالكاتبه نرمين عادل همام
كل ده منين؟
رفعت عينها له، وقالت بهدوء
أخيرًا افتكرتنا؟
بلع ريقه.
كملت
البضاعة دي جت من خير أبويا.
بعت الإسويرة القديمة... اللي كنت تقول عليها شبه النحاس ووحشة.
سكت.
إسويرة أبويا... هي اللي ساندتني.
ما عرفش يرد.
قرب منها، نفسه يتكلم، لكن الكلام مات.
في اللحظة دي، ياسمين كانت واقفة وراه.
لما شافته، جمدت.
هي ما كانتش عايزة أمها تتطلق في السن ده... كانت بس عايزاه يعرف غلطه.
لف سامي ومشي.
غاب ساعتين.
في البيت، نوال كانت بتعيط في حضن بنتها.
أبوكي أول وآخر راجل في حياتي...
العِشرة ما تهونش يا بنتي.
ياسمين مسكت إيديها.
بس إنتِ تستاهلي كرامة يا ماما.
بعد ساعتين...
وقف قدام الباب.
شايل أكبر بوكيه ورد شافوه.
أبيض وأحمر.
وفي إيده شنطة صغيرة.
دخل، قرب من نوال... وعينه مليانة دموع.
من غير كلام، فتح الشنطة.
طقم دهب كامل.
غويشة وكوليه.
نوال شهقت.
يمكن من أيام الخطوبة ما جابلهاش هدية.
تلاتين سنة... من غير وردة، من غير كلمة طيبة.
مد إيده وربّت على كتفها.
وقال بصوت مكسور
أنا هتغير.
يمكن أخدت أسوأ حاجة من أبويا.
سامحيني.
الدموع نزلت من عينيها.
كمل
من هنا ورايح... إنتِ ست البيت.
وهجيبلك حد يساعدك تحت إشرافك.
وهعملك فيزا باسمك.
نوال قالت بهدوء
بس أنا مش عايزة أسيب بيت أبويا.
ابتسم أول مرة بصدق.
مين قال تسيبيه؟
الدكاكين هتفضل مفتوحة.
نقسم وقتنا بين هنا وبين بيتنا.
ولو أمي حبت تيجي... تنور.
وعدّت الشهور...
كريم لما فهم إن ريم مدلعة وعايزة صرف بس، سابها عند أهلها لحد ما تعقل.
وبقى ينزل يقف في المحلات مع أمه.
الحاجة دولت جابت كرسي، وبقت تقعد قدام الدكان تتسلى مع ستات المنطقة، وتدعي لنوال.
سامي اشترى زرع، وورد، وعمل جنينة صغيرة ورا البيت القديم.
وبقى أغلب الوقت هناك.
نوال بقت تشتغل وهي
مرفوعة الرأس.
وياسمين بقت فخورة بأمها... وبنفسها.
وسامي؟
اعتذر لمراته...
واعتذر لبنته...
وعوّضهم على قد ما يقدر.
بعد سنين طويلة...
اتعلم إن الست مش مسحوق غسيل،
ولا خدامة،
ولا ظل في البيت.
الست... لو غابت،
البيت كله يقع.
حصري على صفحة
الكاتبه نرمين عادل همام
تمت

تم نسخ الرابط