كاملة وممتعه وواقعيه

قسوة أمي بقلم الكاتبة نرمين عادل همام

لمحة نيوز

بسم الله والصلاه والسلام على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم 
قسوة أمي بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
حصري
اسمي هبة. اتربيت في بيت عادي جدًا... بيت بسيط، زيه زي بيوت ناس كتير في مصر. لا إحنا أغنيا ولا إحنا فقراء، كنا بنعيش على قد الحال، والحمد لله مستورين.
أبويا، الحاج إبراهيم، كان راجل بسيط، حياته كلها متلخصة في الشغل. ينزل الصبح بدري، يرجع آخر النهار شايل تعب اليوم على كتفه، يدخل يغسل وشه، ياكل لقمتين، يقعد قدام التلفزيون يتابع الأخبار، وبعدها ينزل يصلي في الجامع، ويرجع ينام. كان شايف إن دوره في الدنيا إنه يجيب الفلوس وبس.
أما باقي البيت... فكان سايبه لواحدة تانية.
أمي، الحاجة فاطمة. أمي كانت هي الآمر الناهي، ماسكة زمام كل حاجة في البيت، من أول لقمة هناكلها، لحد النفس اللي بناخده. خروجنا بإذنها، دخولنا بمزاجها، صحابنا على حسب رضاها، مصروفنا على قد ما تحب، حتى ضحكتنا أوقات كانت تقيلة عليها. وأكتر كلمة سمعتها منها طول عمري كانت لا. لا، ما تطلعيش، ما تروحيش عند صحبتك، ما حدش يدخل البيت، ما تلبسيش كده، ما تقفيش في البلكونة، ما ترديش على حد. طول الوقت... لا، لا، لا. الكلمة دي كانت سهلة جدًا على لسانها، وصعبة جدًا على قلوبنا.
أبويا، زي ما قلت، ما كانش بيتدخل. لو الدنيا قامت، ولو البيت اتقلب، ولو حد فينا اتظلم... كان دايمًا ساكت. ساعات كنت أبصله وأقول جوايا هو مش شايف؟ ولا شايف وساكت؟
أمي كان فيها حاجات عمري ما شفتها عند حد، لا في بيوت عمامي، ولا خالاتي، ولا صحابي، ولا الجيران. كانت تتعمد القسوة... كأنها بتثبت لنفسها إن السيطرة قوة. لحد ما تعبت. بقيت كل حلمي بعد ما خلصت دراستي، إني أتجوز. مش عشان الحب، ولا عشان

الفرح، ولا عشان الفستان الأبيض. عشان أهرب. أهرب من البيت ده... من الخنقة، من الأوامر، من الإحساس إني سجينة.
إحنا كنا ستة إخوات تلات ولاد وتلات بنات، كلنا من أمي وأبويا. لكن أبويا كان متجوز قبل أمي، وكان عنده ابن وبنت كبار في السن. أخوه الكبير اتجوز وسافر، وفضلت أخته... أختي من أبويا، اسمها منى.
منى كانت ست غلبانة... من الناس اللي الدنيا أكلت فيهم من بدري. اتجوزت، وبعد الجواز حصلت لها مشاكل كبيرة، واتطلقت، ورجعت بيتنا مكسورة من جواها. رجعت تعبانة نفسيًا، عايشة على دوا وعلاج، ومحتاجة حضن قبل ما تحتاج علاج. لكن أمي ما شافتش فيها مريضة محتاجة رحمة... شافت فيها حمل تقيل.
كانت تقول لأبويا وهي متضايقة أنا بالعافية مستحملة عيالك، هتحمل عيال واحدة تانية كمان؟ دي عصبية، دي مجنونة، دي هتعمل مشاكل.
وأبويا... سكت. وفي الآخر، عملوا لها أوضة
عملوا لها أوضة صغيرة تحت السلم.
أيوه... تحت السلم.
مكان ضيق، مستخبي، لا نور ولا روح، كأنه مخزن مش أوضة بني آدمة. ومن يومها، بقت منى عايشة هناك. ما تقعدش معانا، ما تاكلش وسطنا، ما تظهرش قدام حد، ولو طلعت وأمي موجودة... تقوم القيامة.
والله العظيم، منى كانت من أطيب الناس اللي شوفتهم. عاقلة، فاهمة، هادية، كلامها موزون.
لكن الوحدة بتكسر أقوى إنسان.
تخيلي حد عايش أربع وعشرين ساعة لوحده، محبوس، لا خروج، لا كلام، لا ناس، وهو لسه في عز شبابه. أكيد المرض هييجي، الاكتئاب هييجي، والروح هتذبل.
كنت كل ما أمي تنزل مشوار، أستخبى وأروح لمنى. أدخل لها، أقعد أحكي معاها، أضحكها، أعمل لها شاي، أرتب لها المكان. كنت أسرق نفسي من البيت... بس عشان أطمن عليها.
ومع الوقت، حالتها ساءت. بقت منطوية جدًا، تتكلم قليل،
تبص في السقف كتير، وتسكت بالساعات.
عمتي كانت تيجي كل فترة، تجيب لها أكل، أو هدوم، أو تساعدها. لكن منى ما كانتش محتاجة أكل... كانت محتاجة إنسان. محتاجة حضن، محتاجة عيلة، محتاجة حد يقول لها إنِت لسه مهمة.
حتى إخواتي كانوا بيحنوا عليها، لكن في السر. لو أمي شافت حد ساعدها، تقوم خناقة. كل حاجة كانت لازم تتم من ورا أمي.
ومع كل يوم يعدي... كرهي للبيت كان بيزيد. وبقيت مقتنعة إن مفيش باب نجاة غير الجواز. أي جواز، أي راجل، أي باب يفتح.
وفعلًا... مرت الأيام.
وفي يوم، جه عريس.
اسمه أشرف.
كان أكبر مني بعشر سنين تقريبًا. أنا كان عندي وقتها ستة وعشرين سنة، وهو كان داخل على التمانية وتلاتين. راجل متجوز قبل كده، وعنده بنتين وولد، وكان منفصل عن مراته.
ومن الكلام اللي عرفناه، إن مراته هي اللي طلبت الطلاق، وكانت رافضة ترجع له نهائي. قالوا إنه حاول معاها كتير، وبعت ناس، وكلمها عشان خاطر العيال، لكنها كانت قافلة الباب تمامًا، وبتقول له
خلاص... أنا مش عايزاك.
ولما اتأكد إنها مش راجعة أبدًا... قرر يبدأ حياة جديدة. وساعتها جه يخطبني.
أما أنا... فما كنتش شايفة كل التفاصيل دي. كنت شايفة باب مفتوح... وخلاص.
المهم... أمي أول ما سمعت باسم أشرف، قعدت قدامي ووشها كله اعتراض، ونظرتها فيها خليط غريب بين الغضب والخوف والكبرياء.
قالت وهي بتزفر بقوة
إزاي يعني عايزة تتجوزي واحد كان متجوز؟
وسكتت لحظة، وبعدين كملت بصوت أعلى
تصرفك غلط... واختيارك غلط.
أنا كنت قاعدة ساكتة، لكن جوايا ألف رد.
قربت مني وقالت بنبرة أول مرة أسمعها منها فيها شبه اعتراف
آه... أنا أمك، وعارفة إنك بتقولي عليا قاسية، وعارفة إني منعت عليكم حاجات كتير، وعارفة إني كنت شديدة عليكم
زيادة.
اتصدمت.
أمي... بتعترف؟
لكنها كملت بسرعة، كأنها خايفة من لحظة الضعف
بس مهما حصل، إنتِ ناقصك إيه عشان تتجوزي واحد متجوز قبل كده؟ راجل عنده ماضي، وعنده عيال، ومين يضمن لك مراته ما ترجعش له يوم من الأيام؟
بصتلي بحدة، وقالت وهي بتشاور بإيدها
افتكري كلامي... اليوم اللي هتبقى فيه حلوة في عينه، هيرجع لها.
كلامها دخل قلبي، لكني وقتها كنت عمياء عن أي حاجة إلا الخروج من البيت. في عيني، أشرف كان راجل مستقر، حالته كويسة، بيته نضيف، وشكله محترم، ومراته أصلًا مش عايزاه ورافضة ترجع له نهائي. كنت شايفة إن الفرصة دي نجاة.
ولأول مرة في حياتي... أبويا اتكلم.
كان قاعد ساكت زي عادته، ماسك سبحته، وبعدين رفع عينه وقال بهدوء
سيبيها يا فاطمة.
لفتت له أمي مذهولة.
وكمل أبويا وهو بيبصلي بهدوء
سيبيها تعيش حياتها، هي اللي هتتجوز، وهي أدرى بمصلحتها، يمكن ربنا كاتب لها الخير.
أنا وقتها حسيت إني لأول مرة حد شايفني، وحد سامعني من غير ما أتكلم.
أمي سكتت، والسكوت عندها كان نادر.
وبعد أيام من الجدال والشد والجذب... وافقت.
واتعملت الخطوبة، وبعدها كتب الكتاب، واتجوزت.
دخلت بيتي الجديد وأنا داخلة بقلب مليان أمل وخوف. كنت فاكرة إني أخيرًا خرجت من السجن، وإن الحياة بدأت.
أول تلات شهور، الدنيا كانت هادية.
وأكتر حاجة استغربتها... إني لا شفت أولاده، ولا حتى سمعت صوتهم. كنت أسمع عنهم بس.
وفجأة، في يوم، الباب خبط.
ولقيت بنتين وولد صغير، عمره يمكن سنتين ونص، داخلين البيت.
وقتها استقبلتهم أحسن استقبال. ضنتهم، جهزتلهم أكل، لعبت معاهم، وكنت بحاول أعوضهم أي توتر.
أشرف كان موصيني عليهم قبلها.
قال لي بنبرة فيها رجاء
دول عيالي... عايزهم يحبوك.
وأنا من جوايا،
رغم كل حاجة، كان عندي رحمة. صح أمي كانت قاسية... لكن اتعلمت
تم نسخ الرابط