كاملة وممتعه وواقعيه

قسوة أمي بقلم الكاتبة نرمين عادل همام

لمحة نيوز

من قسوتها إن الإنسان لازم يبقى رحيم.
الأولاد بقوا يجوا كل أسبوع، أو كل عشر أيام. يقعدوا ساعتين، تلاتة، ويمشوا. وبعد فترة، بقوا يناموا عندنا.
وأشرف بدأ يتعلق بيهم أكتر من الأول. وده حقه... دول عياله.
لكن في حاجة كانت غريبة.
التغيير جه بسرعة.
بقى يقول لي وهو مبتسم
واضح إن أمهم ناوية تتجوز، عشان كده بدأت تبعتهم عندي، عايزاهم يتعودوا عليا تاني.
أنا ما كنتش برد، لكن قلبي كان مش مرتاح.
لما كنت أروح أزور أهلي، كانت التليفونات ما بتقفش.
الولاد عايزينك.
تعال خدهم.
الولد تعبان.
هات لهم كذا.
رغم إن قبل جوازنا، التواصل بينهم كان شبه مقطوع. لو في كلام، كان عن طريق أخوها أو أبوها. دلوقتي بقى مباشر.
والحقيقة... الموضوع ما كانش عاجبني.
بعدها حملت، والحمد لله. ولما دخلت النفاس، رحت أقعد عند أهلي شوية.
وخلال الفترة دي، الأولاد بقوا عند أبوهم طول الوقت تقريبًا. وأشرف اتعلق بيهم زيادة. لو يوم عدى من غير ما يكلمهم، يبقى متوتر وتايه.
وأنا ما كنتش بلومه... دول ولاده. لكن كان في حاجة بتتغير قدامي وأنا شايفة.
وفي يوم، سألته بصراحة
إنت عايز ترجع لهم؟
بصلي شوية، وبعدين قال
والله لو رجعت... يبقى أحسن وأحسن. أولادي يبقوا جنبي، وإنتِ معززة مكرمة، وابنك في عيني، والكل يعيش.
الجملة دي نزلت على قلبي باردة.
وإنتِ معززة مكرمة.
كأن وجودي بقى ملحق في حياة هو بيرممها.
ما رديتش. كنت بس عايزة أرتاح، وأولد، وأقوم بالسلامة.
بعد النفاس، رجعت البيت بعد أسبوعين تقريبًا.
وفي ليلة، دخل عليا الأوضة. وشه كان متوتر، وصوته مصطنع الهدوء.
قال
صلي على النبي.
قلت بقلق
عليه الصلاة والسلام... خير؟
قعد قدامي، وقال
أنا راجل بخاف ربنا، وبخاف عليكِ، وبخاف على أولادي... وجيت أقولك حاجة.
قلبي وقع.
قال
أنا عايز أرجع أم عيالي.
سكت شوية... مستني ردي.
أنا بصيت له، وقلت بمنتهى الهدوء
طالما
هتعدل... مفيش مشكلة.
كنت فاهمة من البداية إنه راجل ليه حياة قبلي.
لكن بعد يومين... رجع تاني.
وشه متغير.
قال
الموضوع اتغير.
سألته وأنا حاسة إن في مصيبة جاية
يعني إيه؟
قال وهو بيتجنب عيني
أم ولادي شارطة... لو رجعت، تبقى لوحدها، مش عايزة شريكة.
أنا سكت.
وهو كمل بسرعة
أنا عرضت عليها إنك تفضلي... رفضت، فأنا مضطر أختار أم ولادي.
بصيت له في ذهول.
كمل
إنتِ معززة مكرمة، وابني مش هقصر معاه، ولا هبخل عليكي... بس لازم ننفصل دلوقتي.
اتجمدت مكاني.
وهو قال الجملة اللي لحد النهارده بترن في ودني
وأوعدك... لما الأمور تهدى، أرجع أكتب عليكِ من جديد.
قمت واقفة وأنا مش مصدقة.
قلت له بصدمة وغضب
إنت سامع نفسك؟
قربت خطوة، ودموعي محبوسة في عيني
أنا إيه... عربية إيجار؟ تطلقني، وترجعني، على حسب مزاج مراتك؟
كان ساكت.
فكملت وأنا موجوعة
إحنا بني آدمين... مش حاجات في معرض.
سكت، وخرج من الأوضة... وسابني مكسورة.
رجعت بيت أهلي.
ومن أول يوم، بدأت الشماتة.
أمي كانت كل شوية تقول
اللي يشيل قربة مخرومة... تخر على دماغه.
وتقول
اللي ما يسمعش كلام اللي أكبر منه... يضيع.
القرايب بصّوا لي كأني مثال للفشل.
وقعدت أربع شهور على الحال ده... ساكتة ومستحملة.
لحد ما أمي بدأت تعاملني كأني ضيفة تقيلة.
تخبي عني إن طليقي باعت مصروف، وتقول
ليه نصرف عليكي؟ ليه تاكلي وتشربي معانا؟
ساعتها حسيت إن البيت اللي هربت منه زمان... رجعت له أسوأ من الأول.
وفي يوم، بصيت لأبويا وقلت
أنا عايزة حاجة واحدة...
بصيت له وأنا مكسورة من جوايا، وقلت بصوت متعب
أنا عايزة أطلع من البيت... أستأجر شقة صغيرة ليا أنا وابني.
كنت بقولها وأنا حاسة إن آخر نفس فيا بيتسحب.
أمي ما كانتش طايقة وجودي. كل يوم كلمة، وكل ساعة تلميح، وكل قعدة فيها شماتة.
نظراتها كانت توجع أكتر من الكلام، وكلامها كان يوصلني إني أكره
نفسي.
أبويا رفع عينه ليا، وفي صوته حزن وعجز
شقة إيه يا بنتي؟ إنتِ معاكي طفل صغير... وهتعيشي لوحدك إزاي؟
وسكت شوية، وبعدين كمل
وبعدين الناس هتقول إيه؟ أنا لو وافقت، محدش هيرحمني.
حتى هو... كان أسير كلام الناس.
كملت وأنا بحاول أمسك دموعي
بس يا بابا... أنا تعبت.
قال وهو بيهديني
سيبيها يومين، أمك هتهدى... أصلها زعلانة عشان ما سمعتيش كلامها.
ابتسمت بمرارة.
يعني أنا المكسورة... وهي الزعلانة.
سكت، ودخلت أوضتي، وقعدت أفكر.
لو مش هقدر أقعد هنا... أروح فين؟
بعد ليلة طويلة من التفكير، لقيت نفسي قدام اختيار غريب... لكنه أهون من القعدة مع أمي.
قررت أروح أقعد مع أختي منى... اللي كانت عايشة تحت السلم، لوحدها، بين الأدوية والعلاج والوحدة.
أهون عليّ ألف مرة من إني أعيش كل يوم مذلولة.
لما قلت القرار، أمي فرحت فرحة حاولت تداريها، وقالت ببرود
كويس... ترتاحي ونرتاح.
وعمتي، أخت أبويا، كانت بتيجي كل يومين تلاتة تشوف منى وتساعدها. فلما عرفت إني هقعد معاها، قالت
خلاص... طالما هبة معاها، أنا قلبي اطمن.
دخلت المكان... وقلبي اتقبض.
أوضة ضيقة، تراب، ريحة كتمة، حاجات قديمة، حياة واقفة من سنين.
وقفت في النص، وبصيت حواليا، وقلت لنفسي
إما أصلح المكان... أو المكان يكسرني.
بدأت أنضف، أرتب، أرمي القديم، أجيب ملايات، أفتح الشباك، أدخل شمس.
كنت عايزة المكان يبقى صالح لثلاث أرواح أنا، وابني، ومنى.
وبالفعل... بعد أيام، بقى ينفع يتعاش فيه.
ومن هنا... بدأت حكاية جديدة.
قربت من منى أكتر من أي وقت فات.
أمشط شعرها، أغسل هدومها، أقعد أحكيلها، أسمع لها، أضحكها، وأحسسها إنها مش منسية.
والله تعبت... تعبت جدًا.
بس لأول مرة، كنت تعبانة وأنا راضية.
لأن التعب هنا فيه رحمة... مش ذل.
هي كمان بدأت تتعود عليّ، وأنا اتعودت عليها.
لكن ما أخبيش عليكم... كنت بخاف.
في ليالي كتير
ما كنتش بنام. كانت منى ساعات تتكلم مع نفسها، أو تفتح الشباك فجأة، أو تعمل حركات تخوف في نص الليل.
كنت أخاف على ابني، وأخاف عليها، وأخاف مني.
لكن كنت مجبرة أستحمل.
لأن البديل... وجع دماغ أمي ولسانها اللي ما بيرحمش.
نفسيتي كانت منهارة.
أنا عارفة إني غلطت في اختياري، وعارفة إني استعجلت، وعارفة إني ما سمعتش كلام أمي...
لكن هل ده معناه إني أتحاكم كل يوم؟
هل ده معناه مفيش حضن؟ مفيش احتواء؟ مفيش كلمة تعالي نبدأ من جديد؟
وعشان كده بقول لكل أب وأم...
احتووا ولادكم.
حتى لو غلطوا، حتى لو اختاروا غلط، حتى لو كسروا كلامكم.
الدنيا بتكسرهم كفاية... ما تبقوش أنتم كمان عليهم.
الحياة مدرسة، وكل واحد بيتعلم بطريقته.
ابنك لو وقع... سنده.
بنتك لو اتوجعت... .
البنت قبل الجواز لو عايشة في قهر... ممكن تستخبى في أول باب يتفتح لها.
ما تشدوش الحبل زيادة فيتقطع، وما تسيبوش الحبل زيادة فيضيع.
خليكم في النص... بلطف، بحنية، بكلمة طيبة.
والله الكلمة الحلوة... ساعات تساوي كنوز الدنيا كلها.
المهم...
بعد ما عشت مع منى فترة، بدأت ألاحظ إن أشرف، أبو ابني، واحدة واحدة بطل يسأل... وبطل يبعت زي الأول.
وكأنني لما خرجت من الصورة... بقيت عبء نسيه بسرعة.
المشكلة ما كانتش بس في وجع الكلام... المشكلة إن أشرف بدأ يقطع المصروف عن ابنه.
شهر يعدي... مفيش حاجة.
شهرين... ولا جنيه.
وأنا قاعدة أبص لابني، وقلبي بيتقطع.
أبويا حاله على قدّه، راجل كبير وتعبان من الشغل. وأمي أصلًا صعب أطلب منها لقمة، لأنها كانت كل حاجة بتديها محسوبة، ومعاها كلمة توجع أكتر من الجوع.
فهمت ساعتها إن محدش هيشيلني غير نفسي.
لا طليق، ولا أهل، ولا حد.
أنا.
وبدأت أدور على شغل.
كلمت واحدة صاحبتي، وقلت لها
شوّفي لي أي حاجة... أي شغلانة.
سكتت شوية، وقالت بحرج
يا هبة... صعب. إنتِ أصلًا معاكيش شهادة، وما
كملتيش تعليمك.
قفلت معاها، ودموعي نزلت.
مش عشان كلامها... عشان كانت صادقة.
في يوم، وأنا بقلب على إنستجرام، لقيت بنت بتعمل تورتات، وحلويات، وصواني
تم نسخ الرابط