كاملة وممتعه وواقعيه

قسوة أمي بقلم الكاتبة نرمين عادل همام

لمحة نيوز

أكل، ومحشي.
وقفت أبص للشاشة شوية... وقلت لنفسي
ليه مش أنا؟
أنا طول عمري إيدي شاطرة في المطبخ، وأكلي الناس كانت بتحبه.
قمت من مكاني، ومن اليوم ده بدأت.
أجرب، وأبوظ، وأعيد، وأتعلم.
أعمل كيكة تطلع ناشفة... أعيدها.
أعمل صوص يبوظ... أرجع من الأول.
كل يوم محاولة... لحد ما بدأت أظبط.
صورت أول شغلانة، ونزلتها.
الناس بدأت تسأل
بكام الكيكة؟
بكام الصينية دي؟
أقول السعر، يردوا بدهشة
ده رخيص جدًا!
كنت لسه بخاف أغلي على حد.
أول أوردر جالي... لبست ابني، وشلته، وركبت مواصلات، وروحت أوصل الطلب بنفسي.
رجعت وأنا ماسكة أول فلوس دخلت إيدي من تعبي.
قعدت أبكي.
مش ضعف... فرحة.
واحدة واحدة، الناس عجبتها شغلتي.
بدأوا يطلبوا حاجات أكتر
محشي، مكرونة بالبشاميل، صواني فراخ، حلويات.
واحدة مدرسة اتفقت معايا أعمل لها أكل أسبوعي، لأنها بترجع من شغلها هلكانة.
وبعدين جابت لي مدرسات تانيين.
وفي آخر الشهر، مسكت مبلغ محترم لأول مرة.
حسيت إني ماسكة الدنيا.
أول حاجة عملتها... أخدت أختي منى وروحت بيها المستشفى.
كانت بقالها سنة وشوية من غير متابعة، وحالتها كانت صعبة.
عملت لها كشف، جبت علاجها، اشتريت لها هدوم جديدة، بيجامات، منظفات... كل حاجة.
والله جبت لها قبل ما أجيب لنفسي.
كنت شايفة في عينيها نظرة غريبة... نظرة واحدة بدأت تصحى من سنين نوم.
ومع العلاج... ورحمة ربنا... بدأت تتحسن.
شوية شوية، بقت تتكلم أكتر، تضحك، تسأل، تخرج معايا.
وأمي؟
ولا عمرها بطلت كلام.
كانت تبص لنا وتقول بسخرية
يلا قريب نحطكم أنتم الاتنين في مستشفى المجانين... أوضة جنب أوضة.
كنت أسمع... وأسكت.
وأقول جوايا
ربنا يسامحك يا أمي.
في ناس تستغرب إن أم تعمل كده... لكن والله في أمهات أقسى.
وأنا كنت بحمد ربنا على كل حال.
الطلبات بدأت تزيد.
المتابعين زادوا.
ولأول مرة، جالي إعلان من محل صغير.
فرحت فرحة طفل.
ما كنتش عارفة أعمل إيه، قعدت أبحث على جوجل
إزاي أعمل إعلان؟
إزاي أصور منتج؟
كنت بتعلم كل حاجة من الصفر.
صورت في مطعم مرة، وخدت مبلغ حلو.
اشتريت بيه بوتاجاز جديد، وأدوات، وحاجات تساعدني.
ومشروعي كبر.
واحدة واحدة... بقى ليا اسم في المنطقة.
الناس بقت تقول
هاتوا من عند هبة.
شغلها نضيف.

أكلها زي البيت وأحسن.
والفلوس بقت تدخل إيدي.
ولأول مرة في حياتي... أنا اللي أصرف.
صرت أدي أبويا، أجيب للبيت، أصرف على أختي.
وكان قلبي طاير من الفرحة.
منى بقت شبه إنسانة تانية.
تحسنت بشكل كبير.
بقت تساعدني
ترتب الأوردرات، تنضف، تغسل، تحط البوكسات، تضحك مع الزباين.
والله العظيم... الاهتمام يفرق.
المريض اللي الناس بتسيبه، ممكن يرجع للحياة بكلمة... ورحمة.
بعد فترة، قلت لأبويا
أنا محتاجة أتوسع.
قال وهو مستغرب
يعني إيه؟
قلت بحماس وخوف في نفس الوقت
عايزة أأجر شقة تبقى للشغل... والنوم أنام هنا.
بصلي شوية، كأنه بيفكر لأول مرة يشوفني بعين الست اللي بتحاول تقف على رجلها، وبعدين قال
لو عايزة تنامي فيها نامي... بس خدي أخوكي معاكي، وأنا هاجي أطمن عليكم.
كان أول مرة أحس إنه سند.
وفعلًا... أجّرت شقة بسعر مناسب.
دخلتها وهي فاضية، وبصيت للحيطان، وحسيت إني ببص على بداية جديدة.
حولتها مطبخ، وشغل، وحلم.
كل ركن فيها كان بيحكي عن تعب، وكل رف اتحط كان وراه أمل.
بقى يجيني زباين من كل حتة.
وشغلت معايا بنات من المنطقة... طالبات جامعة، محتاجين يصرفوا على نفسهم.
كنت بديهم مرتب بسيط، وأقول لهم بابتسامة طالعة من وجع قديم
أنا اتسندت بنفسي... وإنتوا كمان هتقدروا.
وبعد فترة، ناس كبار طلبوا مني شغل مناسبة كبيرة.
فرح كبير.
حلويات، صواني، أكل كتير، تجهيزات ما بتنتهيش.
اشتغلت ليل نهار.
إيدي كانت بتوجعني، وظهري بينكسر، لكن قلبي كان فرحان.
ولما خلصت... انبهروا.
ومن اليوم ده... شغلي اتفتح على وسعه.
سنتين مروا... والخير نازل عليا زي المطر.
والله ما ببالغ.
فلوس، رزق، راحة بال، سمعة حلوة، ستر.
وبقيت أتصدق، وأساعد غيري، وأقف جنب كل حد محتاج فرصة.
واتعلمت درس عمري ما أنساه
الخير ما بيروحش.
اللي يرحم... ربنا يرحمه.
اللي يحتوي... ربنا يحتويه.
اللي يسند مكسور... ربنا يسنده.
وأنا... لما احتويت أختي، ربنا احتواني.
أول ما بدأت الفلوس تدخل إيدي، ما فكرتش في نفسي.
فكرت في منى.
أختي اللي كانت سنين مرمية في ركن، منسية، لا حد بيسأل فيها، ولا حد شايف وجعها.
قمت بيها من جديد.
مراجعات دكاترة، تحاليل، علاج منتظم، أكل نضيف، هدوم جديدة، كلمة حلوة، ونس.
كنت كل يوم
أبص لها وأقول من قلبي
إنتِ هترجعي... بإذن الله هترجعي.
وفعلًا، واحدة واحدة، بدأت ترجع.
وشها نور.
كلامها اتظبط.
ضحكتها رجعت.
عينها بقى فيها حياة.
لحد ما أقدر أقول إنها رجعت حوالي 80 من طبيعتها.
وقفت يوم أبص لها، ودموعي نزلت.
سبحان الله... ربنا لما بيفتح، بيفتح من أوسع أبوابه.
الناس كانت فاكرة إن السر في شطارتي في الطبخ.
لكن والله ما كان ده السبب الوحيد.
السبب الحقيقي... إن ربنا شاف نيتي.
شاف إني خدت بإيد واحدة الكل سابها.
شاف إني سترت حد محتاج ستر.
شاف إني ما قفلتش بابي في وش الضعيف.
وعشان كده... كرمني.
والأغرب من كل ده؟
إن الخير ده أثر حتى على أمي.
أمي اللي كانت تكسرني بالكلام، فجأة بقت تعاملني كأني أهم شخص في البيت.
ليه؟
لأني بقيت أديها فلوس.
تغيرت معاملتها 180 درجة.
بقت تقول لي بابتسامة ما كنتش أعرفها منها
يا هبة يا بنتي...
يا ضهري...
ربنا يرضى عليكي.
كنت أسمع وأبتسم في سري.
مش شماتة... لكن استغراب من الدنيا.
قد إيه الفقر بيكشف، وقد إيه الرزق بيغير وشوش ناس.
أهلي كلهم حالهم اتغير.
وأنا كمان... شغلي كان محتاج خطوة أكبر.
كان لازم عربية.
ولما جالي إعلان محترم، وأخدت مبلغ كويس، خلال شهر واحد كنت شارية عربية.
أخويا بقى يوصل الطلبات، وأنا أديه فلوس.
وبعدها اتعلمت السواقة بنفسي.
ولأول مرة... بقيت ست مستقلة فعلًا.
أطلع، أنزل، أشتغل، وأعتمد على نفسي.
كبرت صفحتي على الفيس والانستجرام والناس بقت تعرفني بالاسم.
وبقيت لما أمشي في منطقتنا، أسمع همسات فيها فخر وحب
دي هبة بتاعة الحلويات.
دي اللي أكلها يجنن.
وكل مرة كنت أسمع الجملة دي، قلبي يبتسم.
لأني فاكرة الأيام اللي كنت فيها بدور على فرصة... ومش لاقية غير أبواب مقفولة.
وفي يوم، وأنا واقفة في الشغل، لابسة المريلة، وإيدي مليانة دقيق وسكر، دخلت عليا ست محترمة ومعاها بناتها.
استقبلتهم كويس، وفاكرة إنهم جايين يطلبوا أوردر.
لكن الست بصتلي بابتسامة هادية، وقالت
إحنا جايين نطلبك... عروسة.
اتجمدت مكاني.
ضحكت وأنا مش مستوعبة، وافتكرت إنها بتهزر.
لكنها كملت بكل جدية
إحنا شفناكي في المناسبة الفلانية، وسألنا عنك، وكل الناس شكروا في أخلاقك وشغلك.
وعرفنا إنك بنت أصول.
قالت إن
أخوها بيدور على بنت بالمواصفات دي.
كان اسمه محمود.
راجل محترم، سبق له الجواز، وجوازته ما نجحتش، وبعدها قعد سنين رافض يتجوز تاني.
أبويا قابله، واتكلموا كتير.
ولما رجع، بصلي بنظرة ارتياح نادرة، وقال
الراجل ده... يتشال على الراس.
اتجوزنا.
لكن قبل الجواز، قعدت قدامه وقلت له بصراحة، وأنا خايفة الحقيقة تخوفه
أنا عندي شغل.
وعندي ابن.
وعندي أخت مسؤولة مني.
وحكيت له كل حاجة.
ما خبيت نقطة.
بصلي بهدوء، من غير ما يرمش، وقال
أنا قابل بيكي زي ما إنتِ.
وابنك ابني.
وأختك في عيني.
وسكت شوية، وبعدين قال الجملة اللي جبرت قلبي
لو عايزة تجيبيها تعيش معانا في الملحق، أهلاً وسهلاً.
ولو عايزة أخوكي يقعد معاها، أهلاً وسهلاً.
عيطت يومها.
مش عشان الكلام...
عشان أول مرة أقابل راجل شايفني كاملة، مش عبء، ولا مشكلة، ولا حمل تقيل.
وفعلًا، أخدت منى وأخويا معايا.
لأن منى بقت جزء مني.
ما كنتش أقدر يمر يوم من غير ما أشوفها.
عشت في بيت جوزي الجديد، وأنا مطمنة.
محمود كان راجل بمعنى الكلمة.
يساعدني، يهتم بيا، يساندني في شغلي، ويعامل ابني كأنه ابنه.
يشيله، يخاف عليه، يذاكر له، يفرح بيه.
وقتها فهمت...
اللي بيتوكل على ربنا ما بيضيعش.
واللي يزرع خير... بيحصد خير.
أنا مؤمنة إن ربنا ما فتحش عليا إلا لأني كنت
مسؤولة عن إنسانة ضعيفة، ملهاش حد.
أهلي للأسف كانوا متخلين عنها.
وأمي أكتر من مرة حاولت تقنع أبويا يودوها مستشفى الأمراض النفسية.
لكن أنا رفضت.
قلت لهم
حرام.
مش كل مريض نفسي لازم يتساب بعيد.
في ناس كتير تقدر تعيش وسط أهلها، لو في علاج، وصبر، ورحمة.
كنت بتوجع من قلبي وأنا شايفة أمي قاسية عليها بالشكل ده.
وأقول لها
لو كانت بنتك... كنتِ رضيتي؟
ومن ساعتها، عاهدت نفسي
منى هتفضل مرتاحة طول ما أنا عايشة.
ولحد النهارده... هي معايا.
وفي أحسن حال.
بقت بالنسبة لي مش أختي بس...
بنتي.
ولو في كلمة أقولها من قلبي لكل حد
ازرعوا الخير.
ما تستعجلوش الحصاد.
يمكن يتأخر... لكنه بييجي.
اللي يزرع رحمة، يحصد رحمة.
اللي يزرع ستر، يحصد ستر.
اللي يزرع قسوة... هيلاقيها يومًا ما.
ارحموا أولادكم.
احتووهم لو الدنيا وقعت عليهم.
ما تبقوش أنتم والدنيا عليهم في نفس الوقت.
وخدوا
بالكم...
ما تستهزأوش بمريض.
ما تعايروش فقير.
ما تفكرّوش حد بماضي تاب منه.
قولوا بس
الحمد لله الذي عافانا.
وادعوا للناس بالخير.
يمكن في يوم... تبقوا أنتم أحوج لحسنة واحدة.
بقلمي نرمين عادل همام
لو عجبتكم الرواية... متابعة لصفحتي
تمت.

تم نسخ الرابط