كاملة وممتعه وواقعيه

المواجهة الصامتة ج الاخيرنرمين عادل همام

لمحة نيوز

صوت حماتي طلع من الموبايل وهي بتصوت وتلطم على وشها يا مصيبتك السودا يا محمود! يا نهارنا مش فايت! ادفع لها.. ادفع لها فوراً والبركة في المستور! القرش يروح بس البت هناء ما تعرفش حاجة.. دي لو عرفت هتطردك من الشقة بالهدوم اللي عليك، وتوديك في ستين داهية بوصلات الأمانة اللي عليك لطوب الأرض! اتصرف وهات الفلوس!
محمود قفل الخط وهو بينهج كأنه بيغرق. وطبعاً، عشان يلحق رقبته ويحمي فضيحته، اضطر ينزل تاني يوم الصبح من النجمة، يلف على الفروع ويسحب كل قرش حيلته في البنك عشان يجهز الفدية للشغالة الشبح!
يوم الإثنين.. محمود قبل ما ينزل الشغل، حط ظرف منفوخ وتقيل جداً على الترابيزة. بص لي وعينه في الأرض، صوته كان بيترعش من قلة النوم وقال لي هناء.. ابقي ادي الظرف ده للشغالة أول ما تيجي.. وقولي لها الأستاذ بيقولك خلاص كده الحساب صفي بالمليم، ومش عاوزين نشوف وشك في البيت هنا تاني.. أنا هتعاقد مع شركة تنظيف محترفة بعد كده.
رسمت على وشي ابتسامة عريضة، ابتسامة هادية ومنورة، وقلت له بنبرة كلها حنان مزيف من عيوني يا حبيبي.. الأمانة دايماً بتوصل لأصحابها، متقلقش خالص.
أول ما نزل وسعت السكة، قفلت الباب ورايا بالترباس. مسكت الظرف وفتحته.. ال 50 ألف جنيه كاملين بين إيديا! في اللحظة دي، طلعت موبايلي وكلمت المحامي بتاعي اللي كنت مرتبة معاه كل حاجة، وطلبت منه يجيلي البيت فوراً ومعاه اتنين شهود من جيراننا في روض الفرج اللي عارفين أصلي وعارفين الشقة دي شقة أبويا الله

يرحمه.
فتحت درج المكتب قدامهم بالمفتاح، وسلّمت المحامي أحراز القضية ورق التنازل المزيف، عقد الجواز العرفي من رشا، ووصلات الأمانة الثقيلة. المحامي بص لي بإعجاب وقال كده إنتي حطيتي المشنقة حوالين رقبته.. معاكي قضية تزوير، وقضية خيانة أمانة، وحقك في الشقة دي محمي ومستحيل يلمس منه شبر، وتقدري تخلعيه وتحبسيه في نفس الساعة!
ساعة واحدة بالظبط.. وكان محمود راجع من الشغل بدري جداً، داخل وجسمه بيلتفت حوالين نفسه عشان يطمن إن الشغالة أخدت الفلوس وغارت من البيت.
فتح باب الشقة ودخل.. لقى الأنوار كلها مطفية، والبيت هس هس.. مفيش غير أباجورة واحدة منورة باللون الأصفر الهادي في زاوية الصالون.
كنت قاعدة على الكرسي الفوتيل الرئيسي، حاطة رجل على رجل بكل برود وجبروت. في إيدي اليمين كباية القهوة السخنة اللي كنت بحلم أشربها بروقان من سنين، وفي إيدي الشمال الظرف المليان بال 50 ألف جنيه.. وعلى الطرابيزة قدامي برعب؟ ورق جوازه العرفي، ووصلات أمانته، وعقد التنازل!
محمود وقف في مكانه كأنه اتضرب بالرصاص.. لسانه اتمسك، وعينه برقت لدرجة الصدمة، بص للورق وبص لي، وبدأ يتلعثم ووشه بيجيب ألوان هناء.. إنتي.. إيه ده؟ ومين اللي جاب الورق ده هنا على التربيزة؟ الشغالة هي اللي سابته؟ هي اللي قادتك؟
قاطعته بضحكة عالية وقوية رنت في أركان الشقة الضيقة وسَمّعت الحيطان. وقفت بكل ثقة وطول، قربت منه لغاية ما بقيت في وش عينه، ورميت ظرف ال 50 ألف جنيه في صدره بقوة وقلت له بنبرة هزت
الأرض تحت رجليه
الشغالة بتسلم عليك وبتشكرك جداً وبتقولك.. الشغل معاك كان ممتع ومربح جداً يا حودة! تلات شهور كاملين باخد منك مرتب الشغالة وأحوشه في البنك بعرق جبيني، والنهاردة.. أخدت منك مكافأة نهاية الخدمة 50 ألف جنيه كاش!
محمود فتح بوقه، وعينه زاغت من الذهول والخراب اللي حل فوق دماغه وهمس بصوت مش طالع إنتي؟! إنتي اللي كنتِ الشغالة؟! يعني مفيش حد دخل البيت؟!
بصيت له ببرود قاتل وابتسامة خَلّت ركبه تسيب آه يا محمود.. أنا اللي نظفت بيتك، وأنا اللي كشفت ألاعيبك الدنيئة وخيانتك. كنت فاكر إنك بتعمل لي فخ ذكي عشان توفر فلوس وتطلعني قدام أمك هبلة ومبدبرش؟ بس الهبلة دي يا حودة.. هي اللي لفت حبل المشنقة حوالين رقبتك، والمحامي والشهود بره مستنيين إشارة مني عشان يودوك المكان اللي يستحقك.. ورا الشمس!
محمود حاول يثور، وشه احمرّ وعروق رقبته برزت وهو بيحاول يرفع صوته ويزعق عشان يخوفني ويداري على خيبته وصدمته. بس بكل برود، شاورت له بصباعي على باب الأوضة الجوانية.. الباب اتفتح، وطلع منه المحامي وبجنبه اتنين من كبار الجيران والشهود. في اللحظة دي بالظبط، السكوت نزل على الصالة، وركب محمود خبطت في بعضها، وعينه بدأت تزيغ بيني وبينهم وهو مش قادر يستوعب الإحكام اللي وقع فيه.
المحامي قرب منه، سحب قسيمة الطلاق من الشنطة وحطها قدامه على الطرابيزة، وبص له بلهجة صارمة، حاسمة ومفيهاش أي مجال للمناهدة بص يا أستاذ محمود.. إحنا هنا مش عشان نتفاوض، قدامك حالا حل من
اتنين ملهومش ثالث.. إما تمضي على قسيمة الطلاق دي بالإبراء، وتتنازل عن كل مستحقاتك، وتسيب الشقة دي بملابسك الشخصية وبس حالا، أو الورق ده كله عقد التنازل المزور، ووصلات الأمانة اللي بملايين، وعقد جوازك العرفي من رشا هيكونوا على مكتب وكيل النيابة الصبح أول ما الشمس تطلع.. وطبعاً إنت راجل متعلم وعارف عقوبة التزوير وخيانة الأمانة هتقعدك كام سنة ورا الشمس.
محمود بص للورق، وبعدين بص للأرض وعينه اتملت بدموع الندم، الكسرة، والخزي اللي غسلت كل كبريائه المزيف. في اللحظة دي، فهم إن اللعبة انتهت رسميًا، وإن الشغالة اللي كان بيستهزء بيها وبيتريق عليها مع أمه في ضهرها، طلعت أذكى منه ومن أمه بمليون مرة، وسبقته ب ميت خطوة.
مسك القلم بإيد مرعوشة وبتترعش، ومضى على ورق الطلاق وهو ساكت تماماً، مطلعش منه ولا همسة. دخل أوضة النوم زي الشبح، لم هدومه كلها في شنطة واحدة بسرعة، وخرج من باب الشقة وهو جارد ظهره، ومش قادر حتى يرفع عينه ويحطها في عيني.
وقفت وراه، وقَفلت الباب وراه بالمفتاح والترباس.. تكة القفل دي كانت أحلى صوت سمعته في حياتي.
لفيت وبصيت للشقة الواسعة، النظيفة، الشقة اللي بقت ملكي لوحدي ومحدش هيشاركني فيها ولا هيستغلني جواها تاني. رحت قعدت على الكنبة بروقان، سحبت كباية القهوة اللي بردت شوية، وأخدت نَفَس عميق وطويل من قاع قلبي.. نَفَس كله حرية. شربت بق من القهوة، ولأول مرة من سنين طويلة، حسيت بالراحة الحقيقية.. حسيت إني ست بيت مرتاحة، قوية.. ومنتصرة!

تمت بحمد الله.

تم نسخ الرابط