قصه وعبره
حكاية أمّ قاتلت… وكسِبَت نفسها من جديد
تحطمت حياة أم نسجت بدايتها الجديدة مع ثلاثة توائم حين عاد زوجها المنفصل عنهالا شوقا إليهم بل حاملا تهديدا قادرا على نسف كل ما بنته.
اليوم الذي بدأ فيه الصمت
كنت في الثالثة والعشرين عندما رحل كايل. لم يكن رحيله انفجارا دراميا بل كان تراجعا بطيئا صامتا ينسل من تحت وهج مصابيح جناح الولادة الباردة.
أبناؤنا الثلاثة حديثو الولادةصدمة على هيئة توائم ثلاثية وصفهم الأطباء بأنهم حفنة جميلةكانوا يرقدون ملفوفين في حضانات زجاجية شفافة.
أما جسدي فكان خرائط ألم ساحة حرب ما زالت آثارها طازجة ترتجف وتتلمس حدود الحياة من جديد.
حدق بي كايل طويلا وجهه يميل إلى البياض ثم قال بصوت مكسور
أنا لازم أصفي دماغي يا إليزا. هرجع حالا.
أخذ سترته.
أخذ مفاتيح السيارة.
وأخذ معه المستقبل الذي حلمت أننا سنقتسمه.
وذلك ال هرجع حالا امتد ليغدو غيابا بلا نهاية صمتا يبتلع السنوات.
في الأسابيع الأولى لم يكن البقاء يقاس بالأيام بل بدورات ثلاثية من الإرهاق.
كان بكاء الأطفالنشيجا متداخلا لا يهدأيملأ الشقة الضيقة كأنه موج يضرب شاطئا منهكا.
تعلمت أن أسند زجاجتين ببطانيات ملفوفة
أما العالم خارج النافذة فكان يبدو لي دولة بعيدة لا أنتمي إليها.
والشيء الوحيد الذي يذكرني بأنني ما زلت إنسانة هو صوت أختي الكبرى مارا في الهاتف قلقها دفؤها ومحاولتها الدائمة لانتشالي.
لكن الانكسار الحقيقي جاء عند الثالثة فجرا من يوم ثلاثاء.
كان الأولاد الثلاثة يصرخون في انسجام يائسسيمفونية من العجزبينما كانت يداي ترتجفان بالكاد قادرتين على طلب الرقم.
اتصلت بمن خطر ببالي الوحيد الذي ظننت أنه قد يستوعب حجم الكارثة بن زميل كايل في الجامعة سابقا الرجل الهادئ الطيب.
همست وسط الضوضاء
بن أنا بغرق.
وصل خلال عشرين دقيقة يحمل كيس بقالة علبة حفاضات وهدوءا عميقا كأنه جدار يسند العالم.
لم يقل كلمات عزاء لم يسأل لم يحاول التنظير.
أخذ أحد الأطفال من ذراعي سخن زجاجة الحليب ثم قال ببساطة
روحي نامي عشرين دقيقة أنا هنا.
وجاء في الليلة التالية.
والتي تليها.
أساس حياة جديدة
أصبح بن المرسى الذي أعود إليه كلما عصفت بي الأمواج.
لم يهبط علينا كالبطل المنقذ بل انسل إلى تفاصيل حياتنا مساندا حاضرا شريكا
ركب الأسرة الصغيرة بحث عن أفضل أطباء الأطفال وحفظ الفروق الدقيقة بين بكاء كل طفل وكأنه لغة لا يجيدها سواه.
كان يجلس على الأرض لساعات طفل مستلق على صدره العريض وهو يدندن ألحانا قديمة منسية.
وحين ابتسم ليوأكثرهم جديةله لأول مرة لمعت عيناه بما يشبه الدهشة الهادئة.
قلت له حينها
شايف عرفك.
ابتسم بخجل وقال
يا رب المهم تعرفوا إني مش رايح في حتة ليزا.
لقد اختارنا.
اختار الفوضى والصراخ والحياة معنا يوما بعد يوم.
وعندما بلغ الأولاد عامين يتلعثمون في الكلام ويركضون بلا هوادة جلس بن على ركبته وسط غرفة تعج بالشاحنات البلاستيكية الصغيرة ثم قال
مش قادر أتخيل عالمي من غيركم. تقبلوني أبقى عيلتكم
لم يفهم الصغار حكايته لكنهم فهموا الفرح فاندفعوا فوق ظهره يضحكون.
أما أنا فقلت نعم والدموع تسبقني.
وهكذا بنينا حياةصاخبة فوضوية لكنها جميلة حد الامتلاء.
عدت للدراسة وصرت مساعدة قانونية في مكتب مختص بقضايا الأسرة أدافع عن الآباء والأمهات الذين يشبهونني في جراحهم.
وازدهر عمل بن في البناء.
واشترينا منزلا بحديقة واسعة سرعان ما صارت جدرانه قماشا لرسومات
ليو عقل هندسي صغير.
سام طاقة لا تهدأ ومشاكسة محببة.
جاك قلب يميل للصلح وإخماد الحرائق.
وكانوا ينادون بن بابا لأنه استحق الكلمة كل يوم.
اعادة صياغه صفحة الكاتبه نرمين عادل همام
حين عاد الظل يطرق الباب
مرت سبع سنوات من السكينة الهشة سبع سنوات نسجت فيها حياتي بخيوط من صبر طويل وحب غزير وعمق لم أعرفه من قبل.
كبر الأولاد واشتد ساعد الحياة بناأنا وبنحتى حسبت أن الجراح القديمة نامت وأن الماضي دفن أسراره.
لكن الماضي لا يموت بل يختبئ ينتظر اللحظة المناسبة لينقض.
كان مساء دافئا الأطفال يركضون في الحديقة وبن يصلح سياجا خشبيا حين دق الباب دقا غريباثقيلا كأنه طرق قدر.
فتحت الباب
فانخلع قلبي.
كايل.
وقف أمامي كشبح أعيد إحياءه بعد خراب.
نحيل متعب عيناه غائرتان كأنه يحمل الليل داخله.
ورغم قتامة حضوره لم تكن أكثر ما أفزعني ملامحه بل ذلك الارتباك المتواري خلف ابتسامة خاوية.
قال بنبرة مكسورة
إليزا محتاج أكلمك.
ازداد الهواء ثقلا بيننا فقلت بجمود
مافيش كلام بينا.
لكنه قال كلمة هزت عالمي كله
البوليس بيدور عليا وعايز آخد الأولاد.
انفجرت
تراجعت خطوة وقلبي يقرع صدري.
أولاد! إنت