الطعنات لا تأتي من الغرباء، بل من اليد التي ظننت يومًا أنها تحميني.

الطعنات لا تأتي من الغرباء بقلم الكاتبة نرمين عادل همام

لمحة نيوز

الطعنات لا تأتي من الغرباء بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
الطعنات لا تأتي من الغرباء
بل من اليد التي ظننت يوما أنها تحميني.
نشأت في أسرة بسيطة مكونة من أب وأم وأنا وأختان توأم أصغر مني.
كنا نعيش حياة هادئة من الخارج لا يراها الناس إلا عادية لكن كل شيء تغير في يوم واحد.
في ذلك اليوم عدت من المدرسة سيرا على الأقدام فمدرستي كانت قريبة جدا من المنزل.
ما إن فتحت الباب حتى شعرت أن شيئا غير طبيعي قد حدث.
البيت كان مقلوبا رأسا على عقب.
الأثاث مكسور والأغراض متناثرة والهواء مشبع بالفوضى.
رأيت أختي منهارتين من البكاء.
كان المشهد صادما إلى درجة أن قلبي انقبض بشدة ومر في ذهني خاطر مرعب تمنيت بكل ما أملك أن يكون خاطئا.
اقتربت منهما وسألت بارتباك
حد مات
ردت إحداهما وهي تبكي
لا بس بابا وماما انفصلوا.
وقعت الجملة على قلبي كالصخرة.
لم أستوعبها في اللحظة الأولى وكأن عقلي رفض استقبالها.
قالتا لي إن شجارا عنيفا وقع بين أمي وأبي
وإن البيت أصبح بهذا الشكل نتيجة لذلك الشجار
وإن ما حدث هذه المرة لم يكن عابرا بل النهاية بلا رجعة.
وقفت أمامهما عاجزة وانهرت بالبكاء معهما.
لم نكن نفهم ما الذي سيحدث لنا بعد ذلك
ولا لماذا جاء كل هذا في ذلك التوقيت بالذات.
خرج أبي من المنزل دون أن يخبر أحدا إلى أين يذهب أو ماذا سيفعل.
أما أمي فقد أغلقت على نفسها

باب غرفتها.
كنا نسمعها تبكي
وتصرخ
وتتحدث بصوت مرتفع
ثم تهدأ فجأة.
لكنها لم تفتح الباب
ولم تتحدث إلينا.
كنا ننتظر نترقب نبحث عن أي إجابة.
نسأل أنفسنا
ما الخطوة التالية
بعد فترة سمع صوت طرق على الباب.
عاد أبي
وكانت عماتي معه.
قالوا إننا سنذهب معهم.
من شدة تعلقي بأمي ركضت إلى باب غرفتها
أطرق عليه وأنا أصرخ
يمه افتحي بابا هيودينا ما تسيبناش نمشي ونسيبك.
لكن لم يأت أي رد.
لم أسمع سوى بكائها من الداخل
كأنها استسلمت لكل شيء.
خرجنا مع عماتي إلى بيت جدتي.
هناك
شعرت لأول مرة أنني غريبة.
لا خصوصية
ولا راحة
ولا إحساس بالانتماء.
مرت الأيام ثقيلة
وكنا نعيش فقط على أمل أن يجد أبي شقة ننتقل إليها
فنغادر هذا البيت الذي لم نشعر فيه يوما أنه بيتنا.
خصوصا أن الشقة القديمة كانت ملكا مشتركا بين أمي وأبي.
تنازل أبي عن نصيبه لأمي
لكن بشرط واحد
أن نعيش نحن معه
وألا تعود أمي لتأخذنا منها أبدا.
هذا الشرط تحديدا
كان أول كسر حقيقي داخلي.
كيف تقبل أمي بذلك
كيف تأخذ نصيبها وتتركنا
كنت أقول لنفسي
مستحيل.
أكيد الموضوع مؤقت.
أكيد هترجع تاخدنا.
لكن الأيام امتدت
وأمي لم تفعل.
ذلك الانتظار الطويل كسرني أنا وأختي ببطء.
ومع ذلك
كنا نحاول تبرير ما فعلته
لأننا نحبها
ولأننا لم نحتمل فكرة أنها اختارت نفسها علينا.
كان أبي دائم الانشغال بالعمل
يتعمد التأخر
في العودة إلى المنزل.
أما نحن
فكنا نعاني تحت قيود بيت جدتي
وتحكماته
وغياب أي مساحة خاصة.
كنا نلح على أبي يوما بعد يوم بموضوع الشقة
وكان يتهرب
حتى جاء اليوم الذي تغير فيه كل شيء مرة أخرى.
تلك الخصلة التي أحببتها يوما في خالتي
هي ذاتها التي كانت السبب الخفي في دمار حياتي.
مرت السنوات.
تزوجت أختاي وصار لكل واحدة منهما عالمها الخاص ومسؤولياتها وانشغالاتها.
أما أنا فوجدت نفسي أقترب من خالتي أكثر فأكثر دون أن أدرك أن هذا القرب لم يكن بريئا كما ظننت.
تغيرت معاملتها لي تدريجيا.
لم يحدث التحول فجأة بل تسلل ببطء مريب.
صارت متحكمة متدخلة مستغلة لثقتي العمياء بها.
تريد أن تعرف كل شيء
ليس معرفة عابرة بل تفاصيل التفاصيل
كيف حدث الموقف
ماذا قلت
كيف نظرت
وكيف كان رد فعلي بالضبط
أحيانا كنت أشعر أن فضولها لا ينبع من خوف علي
بل من رغبة خفية في أن تعيش حياتي نيابة عني.
كنت حينها طالبة جامعية.
وكان واضحا أنها متعلقة بذلك العمر على نحو غير طبيعي
كأنها تحاول أن تستعيد من خلالي سنوات لم تعشها كما أرادت.
خالتي لم تكمل دراستها الجامعية
تركت الجامعة في منتصف الطريق
ومنذ دخولي أنا إلى الجامعة بدأت تصرفاتها تنحدر من الغريب إلى المقلق
ومن المقلق إلى المؤلم.
كرهت تحكمها
وكرهت أسئلتها التي لا تنتهي
لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد.
بدأت تضيف
زملائي وزميلاتي في الجامعة على مواقع التواصل الاجتماعي.
دخلت مجموعات تخص الجامعة
وتعمدت التواجد في كل مساحة يمكن أن ترى منها ما يحدث هناك
وكأنها طالبة بين الطالبات.
كانت حجتها الدائمة
أنها تطمئن علي
وتتأكد أنني أسير في الطريق الصحيح
وأن من حولي أشخاص جيدون.
صدقتها
لأنني كنت أريد أن أصدقها.
لكن كل شيء تغير
حين بدأ المتقدمون للزواج يطرقون بابي.
كانوا معيدين من الجامعة
أو من أقارب زميلاتي
أشخاصا مناسبين بشهادة الجميع.
وبما أنني كنت أعيش مع أمي وخالتي
فكانت خالتي للأسف هي من تتولى الحديث مع من يتقدم لي
لأن أمي كانت شخصية ضعيفة مهزوزة بلا ثقة بنفسها
وخاضعة تماما لسيطرة خالتي.
كنت أقول لها مرارا
يا خالتي الناس المفروض تكلم بابا مش حضرتك. بابا عايش.
كانت تغضب
لا في وجهي
بل تذهب لتملأ رأس أمي بكلام يجعلها تنقلب علي.
فتأتي أمي وتقول لي
إنت عايشة مع مين
أرد عليها
عايشة معاكي.
فكانت خالتي تقنعني أن من يتقدم لي يجب أن يأتي إليها هي
وإلى أمي
لا إلى أبي
بحجة أنني أعيش معهما.
كنت أعلم في داخلي أن هذا خطأ.
أبي حي
وهو ولي أمري
حتى وإن لم أكن أعيش في بيته.
لكنني لم أستطع الاعتراض.
ففي نظر أمي أي مقاومة لخالتي كانت تعني أنني عاقة.
الغريب والمؤلم
أن كل من كان يتقدم لي
ثم يذهب للحديث مع أمي
كان يختفي بعدها فجأة.
وفي كل مرة
تخرج خالتي
بقائمة طويلة من العيوب
هذا لا يصلح
ذاك غير مناسب
وهذا فيه ما فيه.
رغم أن الجميع في الجامعة وخارجها 
كانوا يشهدون بصلاحهم.
الأغرب من ذلك
أنني اكتشفت
تم نسخ الرابط