الطعنات لا تأتي من الغرباء، بل من اليد التي ظننت يومًا أنها تحميني.

الطعنات لا تأتي من الغرباء بقلم الكاتبة نرمين عادل همام

لمحة نيوز

أن كل من تقدم لي
كان مضافا على حساب خالتي في مواقع التواصل.
كانت تتحدث معهم.
تراسلهم.
وحين كنت أسألها
تقول ببساطة
عادي كنت بشوفهم مناسبين ولا لأ.
وكنت
بمنتهى السذاجة
أثق بها.
وأحبها.
وأصدق كل كلمة تقولها.
لم يخطر ببالي لحظة واحدة
أن خالتي قد تكون سببا في دمار حياتي.
كنت أقول لنفسي
هي في مقام أمي.
أكيد بتعمل كده علشان تطمن علي.
مستحيل تفكر تأذيني.
ومع ذلك
كان داخلي إحساس غامض
قلق خفي
يهمس لي أن هناك شيئا غير طبيعي.
كنت أتعمد ألا أنظر إلى هاتفها
حين أراها تتحدث مع شخص أعرف أنه زميل لي أو متقدم للزواج
خوفا من صدمة لا أحتملها.
أقنعت نفسي أن هذه مجرد أوهام
وأن سوء الظن حرام
وأنني لا يجب أن أسيء التفكير في خالتي
حتى بيني وبين نفسي.
إلى أن جاء اليوم الذي تغير فيه كل شيء.
كان أحد زملائي في الجامعة
وكنت في سنتي الأخيرة.
قال لي إنه يريد التقدم لي رسميا.
قلت له
روح كلم ماما.
تردد قليلا ثم قال
ممكن أكلم حد من الرجالة في عيلتك أنا مستحي أتكلم مع ستات.
سألني بهدوء
باباكي عايش
قلت
أيوه.
قال بثقة
يبقى الصح إني أكلمه هو.
وكان أول رجل
يصر على أن يسلك الطريق الصحيح.
حين كلم أبي
تيسر كل شيء.
سأل عنه
وعرفه
ووافق عليه دون تردد.
كان اسمه سعد.
خالتي حوصرت لأول مرة.
لم تجد مخرجا.
اضطرت أن تقول لأمي
خلاص وافقي.
وافقت أمي
وكأنها مجبرة.
في يوم
الخطوبة
كانت نظرات خالتي لي
نظرات لم أفهمها وقتها.
اقتربت مني عمتي وهمست
إنت مش ملاحظة نظرات خالتك دي مش مبسوطة دي غيرانة.
ضحكت حينها
وقلت في داخلي
مستحيل.
دي خالتي.
لم أكن أرى ما كان يراه الجميع.
كانت أمي قد سلمت خالتي كل شيء الخيط والمخيط كما يقال.
المال التفاصيل الترتيبات حتى القرار الأخير.
دفعت أمي أجر خبيرة التجميل ثم التفتت إلي بعينين مكسورتين وقالت
معلش يا بنتي لو ينفع تعدلي الميك أب شوية.
كنت في تلك اللحظة منهارة تماما.
أبكي من الإحراج
ومن القهر
ومن الشعور بالعجز أمام ما تفعله خالتي بي على مرأى من الجميع.
لم تكتف بما حدث بل حاولت أن تمسح وجهي بالكامل
أن تغسل المكياج بيديها
ثم تضع لي هي بنفسها مكياجا آخر
وهي تقول بلهجة قاسية
كده أحسن شوفتي إزاي اللي عملته خلاك بشعة وكبرك
لم تكن تريدني جميلة.
الطعنات لا تأتي من الغرباء بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
لم تكن تتحمل فكرة أن أبدو أجمل منها.
تأخرنا يومها كثيرا عن المصورة
وأنا أرتجف من التوتر
من خالتي
ومن نظرات الناس
ومن خوفي أن ينتهي اليوم بفضيحة كاملة.
ولولا لطف الله
ثم تدخل أم خطيبي في اللحظة المناسبة
لكنت ضعت في تلك الدوامة
وربما خرجت بلا مكياج
أو خرجت مكسورة إلى حد لا يحتمل.
انتهت الأزمة أخيرا
وبدأ حفل الخطوبة.
وفي ذلك اليوم
لم يمر أحد ممن حضر
إلا ولاحظ طريقة تعامل
خالتي معي.
سمعت الجملة نفسها تتكرر على مسامعي أكثر من مرة
خالتك غيرانة منك.
حتى أخواتي لاحظن ذلك.
قالت إحداهن إن خالتي تحاول طوال الوقت أن تتصرف كأنها واحدة من عمرنا
رغم أن الفارق بيننا كان يقارب سبعة عشر عاما.
لم تكن تجلس مع النساء في سنها
بل كانت تذهب لتجلس مع صديقاتي
حتى يظن من يراها أنها واحدة منهن.
مر الوقت
وانتهى ذلك اليوم
ثم مضت الشهور
وكانت حياتي تسير ظاهريا نحو الأفضل.
لكن شيئا داخلي لم يكن مطمئنا.
بدأت ألاحظ أن خالتي تتحدث مع خطيبي كثيرا.
كانت تبرر الأمر دائما بأنه بخصوص البيت
والأثاث
وتجهيزاتي
والأجهزة التي سنشتريها.
وأمي
لم يكن لها دور يذكر.
كانت خالتي تتقدم خطوة خطوة
وتزيحها جانبا بهدوء.
كانت تقول لها
سيبيني أعمل بدلك.
إنت ارتاحي وأنا أخلص كل حاجة.
وبالفعل
أصبحت هي المتحدثة باسمي
والمقررة
والوسيط الوحيد.
كنت أثق بها.
وأمي تثق بها أكثر.
خطيبي في البداية كان يشعر بعدم الارتياح.
كان يستحي من حديث خالتي المتكرر معه
وأنا كنت أدافع عنها.
كنت أقول له
دي زي أمي.
ما تقصدش حاجة.
سيبك منها وخلاص.
كنت أبرر
وأغلق عيني
وأدفعه بيدي إلى المساحة التي صنعتها له.
جهزت بيتي بكل ما حلمت به.
كل شيء كان مثاليا.
وخلال ذلك كانت خالتي تقول لي بنبرة غريبة
بيتك حلو يا ريت بيتي في يوم يبقى زيه.
ثم بدأت تسألني أسئلة لم أفهمها وقتها.
كيف
يعاملني
كيف يتحدث معي
هل هو رومانسي
هل يهتم
أسئلة لا تسألها خالة
بل امرأة تراقب رجلا.
ومن طيبتي
ومن جهلي
كنت أحكي لها كل شيء.
كنت أصف له صفاته
وأحكي لها عن اهتمامه
وعن شعوري بالأمان معه.
كانت تستمع
وتحتويني
وتمنحني إحساسا زائفا بالأمان.
ثم بدأ الانهيار.
قبل الزفاف بشهور قليلة
تغير خطيبي فجأة.
لم يعد يرد على اتصالاتي.
وإن رد رد بعد وقت طويل.
غالبا كان هاتفه مشغولا.
وكلما رأيت خالتي تتحدث في هاتفها
وإن رأتني
أنهت المكالمة بسرعة
وتوترت
وتلعثمت.
والأغرب من كل ذلك
أنه لم يكن يرد عليه
إلا إذا اتصلت من هاتف خالتي.
ثم جاء الخبر القاسي.
اتصلت بي أمه
وقالت ببرود
ما فيش نصيب وعايزين ننهي كل حاجة.
لم يتبق على زفافي سوى أسابيع قليلة.
انهرت.
كنت أبكي بلا توقف.
أذهب إلى خالتي
أبكي 
وأشكو لها وجعي.
كانت تبكي معي
وتواسيني
وتقول كلاما يهدئني.
كانت ملجئي الوحيد
وأنا لا أعلم
أنها كانت أصل الكارثة.
كنت ألوم نفسي.
أفتش عن أخطائي.
أكره نفسي أكثر كل يوم.
لم يخطر ببالي
أن السبب كان قريبا إلى هذا الحد.
حتى جاء اليوم
الذي انهار فيه كل شيء.
اتصلت بي خالتي
وكان صوتها مرتبكا
خجولا
كأنها تحمل خبرا لا يحتمل.
قالت لي
أنا هتجوز.
قلت لها رغم ألمي
صرخت فيها
إزاي تعملي في كده أنا بنت أختك!
وناديت أميوسقط البيت مرة أخرى.
وفي تلك اللحظة فهمت أن أقسى
الطعنات
لا تأتي من الغرباء
بل من اليد
التي ظننت يوما أنها تحميني.
في ذلك اليوم لم أستطع أن أمد يدي إليها ولا أن أتشاجر معها ولا حتى أن أواجهها كما ينبغي.
والله العظيم لم أقدر.
كان الغضب أكبر من قدرتي على المواجهة
تم نسخ الرابط