الطعنات لا تأتي من الغرباء، بل من اليد التي ظننت يومًا أنها تحميني.

الطعنات لا تأتي من الغرباء بقلم الكاتبة نرمين عادل همام

لمحة نيوز

فتحول إلى تكسير أعمى.
كسرت كل ما حولي.
الصحون
الأدوات
كل ما كنت قد اشتريته لمطبخي الذي لم أدخله عروسا أبدا.
كنت أكسر الأشياء وكأنني أحاول إخراج الغصة التي تخنق صدري.
كنت أصرخ وأبكي وأكرر بصوت مبحوح
ليه تعملي في كده ليه
جاءت أمي على صوت صراخي
وجاء الجيران
وصار الجميع يقول إنني فقدت عقلي
وإنني دخلت في نوبة غضب وهستيريا.
لم أعد أستطيع الوقوف.
انتهى كل شيء فجأة.
أغمي علي من شدة الانهيار
ولم أشعر بنفسي إلا وأنا في المستشفى.
جاءت أخواتي ليطمئنن علي
وحين حكيت لهن ما حدث
صدمن
لكن صدمتهن لم تكن بحجم الصدمة التي سقطت علي.
ذهبن لمواجهة خالتي في المستشفى.
وأنا قلت لهن بوضوح إنني لا أريد البقاء في المكان نفسه معها.
أما أمي
فقد أصابتها جلطة في الدماغ.
الحمد لله أنها بقيت على قيد الحياة
لكنها فقدت ذاكرتها.
لم تعد تعرف كيف تأكل
ولا كيف تشرب
ولا كيف تدير أبسط تفاصيل يومها.
انهار كل شيء دفعة واحدة.
أخذت أغراضي
وتركت البيت
وانتقلت للعيش مع أبي
ومعه إخوتي من زوجته الثانية.
ذهبت أمي
للعيش مع إحدى أخواتي المتزوجات
وأنا بدأت حياة جديدة
ثقيلة
غريبة
ومليئة بالأسئلة.
الطعنات لا تأتي من الغرباء بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
حين عرف أبي بما حدث
ضحك ضحكة خفيفة
كان فيها شيء من الشماتة
وقال
هي كده خالتك من زمان.
نظرت إليه في ذهول وسألته
إزاي
قال ببرود
ما عندهاش غالي.
حاولت أن أضغط عليه بالأسئلة
أن أعرف أكثر
لكنه رفض.
قال إنه لا يريد أن يفضحها
وإنه يفضل الستر.
ومنذ تلك اللحظة
بدأ سؤال واحد يطاردني
أي أسرار كانت تخفيها هذه المرأة طوال حياتها
قاطعناها جميعا.
تزوجت خطيبي.
والأكثر قهرا
أنها أخذت كل الأغراض التي كنت قد جهزتها للبيت
كل شيء اشتريته بنفسي
ونقلته إلى بيتها الجديد.
البيت الذي بنيته حلما حلما
سكنته هي.
وصارت هي العروس.
وصار خطيبي زوجها.
حتى زواجها لم يحضره أحد.
لا من عائلتها
ولا من عائلته.
تم الزواج بلا احتفال.
الجميع كان رافضا
حتى أهله.
مرت الأيام
وكان كرهي لها يزداد.
كنت أعرف كم أحببت ذلك الرجل
لكن أنانيتها جعلتها تتجاهل كل شيء.
كرهتني في نفسي.

لم أستطع أن أتجاوز.
صار تفكيري كله منصبا على الانتقام.
كيف أشفي غليلي
كيف أرد لها ما فعلته بي
حاولت أن أبحث عن ثغرات في علاقتها بزوجها
لكنني وجدت للأسف إخلاصا بينهما.
زاد ذلك من قهري.
لم أجد أمامي إلا الرسائل.
رسائل حقد ووجع.
كنت أريدها أن تشعر بالذنب.
كانت تعتذر
وتقول إنها نادمة.
فقلت لها
لو ندمانة بجد سيبيه. اتطلقي.
صمتت.
وزادت
وأنا مبسوطة معاه.
لم أعرف كيف أصفها.
إنسانة أرادت لنفسها ما لم تتمنه لي.
لم تبحث لي عن حياة كريمة
بل خطفت حياتي.
كنت أتمنى أن تعيش القهر الذي عشته.
كنت أريدها أن تشعر بي.
وصل بي الغضب إلى أن أتخيل أن أضربها
أن أفضحها
أن أفعل أي شيء.
وفي النهاية
قررت المواجهة.
ذهبت إلى بيتها.
طرقت الباب.
كانت وحدها.
حين رأتني حاولت أن 
فدفعتها بعيدا.
قالت
اتفضلي.
نظرت إلى البيت الذي صممته بيدي
إلى الألوان التي اخترتها
إلى الأثاث الذي حلمت به
وقلت بمرارة إنني لا أريد الدخول.
كنت أنتظر اعتذارا حقيقيا.
لكن الكلمات أشعلتني.
انفجرت.
صرخت فيها
إزاي عملتي
كده ده راجل يروح وييجي لكن إنت خالتي! إنت خالتي!
ارتفع صوتي
وخرج الجيران من بيوتهم.
قلت لها بأعلى صوتي
اتجوزتي واحد قد بناتك!
لم يكن أحد يعرف ذلك.
كان الجميع يظنها في عمره.
فضحتها.
وبكيت.
ودعوت عليها.
وتركت المكان.
لاحقا عرفت أنها انتقلت من ذلك البيت
ثم من بيت آخر
ثم آخر.
كلما عرف الجيران قصتها
ضاقت بها الحياة.
كتبت قصتي على مواقع التواصل.
عرف الجميع.
كرهها القريب والغريب.
كنت أعرف أن ما فعلته خطأ.
كان يجب أن أستر.
لكن القهر
والاكتئاب
دفعتني إلى ما فعلت.
تبت إلى الله.
وسألته المغفرة.
مرت السنوات.
تزوجت.
أنجبت ثلاثة أطفال.
وخالاتهم لم تر أحدا منهم.
كنت أرفض رؤيتها
وأشعر بالانتصار
ثم بالحزن.
بعد سنوات طويلة
شعرت بالذنب.
شعرت أنني سبب في قطيعة رحم.
دعوت الله كثيرا أن يرشدني للصواب.
وفي يوم اتصلت بها.
قلت لها إنني سامحتها
لكنني لا أستطيع رؤيتها.
طلبت أن يبقى التواصل في حدود الاتصال فقط.
فرحت.
ووافقت.
مرت أكثر من خمسة عشر عاما.
وما زلت لا أنسى.
تحاول أن تقرب أبناءها
من أبنائي
لكنني لا أقدر.
أشعر بالخوف
خوف من أن أفتح بابا
أغلقته نفسي ذات يوم
لكي تنجو.
بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
تمت
الطعنات لا تأتي من الغرباء بقلم الكاتبة نرمين عادل همام

تم نسخ الرابط