ماذا تريد جارتي
قرّيت الاسم.
ما كنتش فاهمة معناه،
بس الكلمة اللي خلت دمي ينشف في عروقي كانت:
"منوّم قوي — يُحظر استخدامه بدون إشراف طبي."
بلعت ريقي بصعوبة،
وحسّيت بطعم مرّ في بقي.
رفعت عيني ببطء…
لقيتها واقفة ورايا.
جسمها بيترعش،
وعينيها مش طبيعية،
مش عيون ست تعبانة من الحمل…
دي عيون واحدة مستنية الإجابة.
قالت بصوت واطي متكسّر:
— "إنتي… لقيتيه؟"
وفي اللحظة دي
كل حاجة ركّبت في دماغي زي قطع البازل:
الصداع اللي ييجي فجأة،
النوم التقيل اللي يوقعنا كلنا،
الخوف اللي بنصحى بيه،
إني أنا والبنات يحصل لنا نفس اللي بيحصل في نفس اليوم…
والكيك.
الكيك اللي كانت دايمًا بتعملهولي.
الكيك اللي عمرنا ما غِبنا عنه في أي ليلة
رفعت العلبة في إيدي وبصّيت لها…
وما قدرتش أتكلم.
لكن هي فهمت.
وشها شحب،
وشفايفها اتزرقّت،
ونبرة صوتها اتغيّرت لما قالت:
— "حطيها مكانها… وبلاش تكبّري الموضوع."
ساعتها اتأكدت.
اتأكدت إننا كنا مخدَّرين.
أنا وبناتي.
وبننام غصب عنّا.
وفي اللحظة دي،
عرفت إن اللي إحنا فيه مش صدفة…
ولا ميكروب…
ولا تعب حمل.
دي جريمة.
ولو ما تصرّفتش في الثانية دي…
أنا وبناتي مش هنعرف نصحى تاني.
كل حاجة كانت بتترتب قدّامي زي قطع البازل،
الصورة الكاملة بقت واضحة ومخيفة في نفس الوقت.
إديتها البرشام اللي طلبته،
واتظاهرت إني ولا شُفت ولا سمعت حاجة.
رجعت قعدت جنب البنات،
حضنتهم بقوة،
وقلبي كان بيصرخ من
إوعي… إوعي يحصل لهم حاجة.
عدّى نص ساعة.
فجأة حسّيت الدنيا بتلف بيا،
الأصوات بتبعد،
والنور بيغيم.
عرفت.
الكيكة اتاكلت.
بس المرة دي…
كنت صاحية نص وعي،
زي واحدة غرقانة ولسه ماسكة طرف النفس.
وقبل ما أفقد إحساسي تمامًا،
سمعتها بتتكلم في التليفون،
وصوتها واطي ومتوتر:
— "تمام… ناموا خلاص. تعال بسرعة."
الكلمات دخلت وداني زي سكينة.
بعدها الدنيا اسودّت.
…
صحيت على صوت أذان الفجر.
كنت نايمة على الأرض،
والبنات محضنّي،
وشهم أصفر، وعيونهم مليانة رعب.
حاولت أقوم، جسمي كان تقيل كأنه حجر.
لفّيت عيني في المكان…
الباب كان مفتوح.
والشقة فاضية.
ولا هي…
ولا أي أثر لحد.
وفي اللحظة دي
عرفت
مش مجرد شك…
دي محاولة مكتملة.
ولو ما تحرّكتش فورًا
أنا وبناتي كنا هنختفي من الدنيا
زي ما نِمنا.
وهي مش موجودة.
جريت على المطبخ وأنا رجلي مش شايلاني،
فتحت الزبالة، طلّعت صينية الكيك بإيدي…
قرّبتها من وشي،
وشمّيت ريحة غريبة، مرّة، خانقة.
في اللحظة دي…
اتأكدت من كل اللي كنت خايفة منه.
بلغت الشرطة فورًا.
جت الإسعاف، وكشفوا عليّ وعلى البنات،
والدكتور قالها صريحة:
في آثار منوّم قوي في جسمكم.
بدأت التحريات…
وهنا كانت الصدمة الأكبر.
الجارّة دي
مش حامل،
ولا متجوزة بقالها 8 شهور،
ولا حتى اسمها الحقيقي زي ما قالت.
كانت مطلوبة في أكتر من قضية:
سرقة، تخدير،
ومحاولات أذى لأُسر كاملة.
اختفت قبل ما يمسكوا بيها.
تبخّرت.
العمارة كلها دخلت في حالة رعب.
والناس بقت تبص لبعضها بخوف،
ولا حد بقى يفتح بابه لحد.
أما أنا؟
من اليوم ده…
مبقبلش أكل من أي حد،
ولا بفتح بابي بسهولة لأي إنسان.
بس الغريب…
إن كل ما أعدّي جنب شقتها المقفولة،
بحس بريحة كيك في الجو،
ريحة حلوة…
بس مرعبة.
كأنها لسه هناك،
مستخبية،
مستنيّة فرصة جديدة.
النهاية؟
ولا يمكن…
دي كانت البداية.