هديتي للكاتبه نرمين همام حصري لموقع لمحة
هديتي للكاتبه نرمين همام حصري لموقع لمحة
ما كنتش أتخيل يوم إن الطفل اللي لقيته مرمي جنب صندوق الزبالة، هيقف بعد 18 سنة على المسرح وينادي عليّ قدام الناس كلها.
معظم الناس ما بيشوفوش عمّال النظافة أصلًا.
لا الرجالة اللي ماشيين بسرعة ببدلهم وعيونهم في الموبايلات.
ولا الستات اللي ماشية بالكافيه في إيد والسماعات في ودنها.
ولا العيال اللي بيرموا المناديل على الأرض كأن الأرض هتنضف لوحدها.
أنا بطلت أستنى حد ياخد باله مني من زمان.
اسمي سعاد، عندي 63 سنة. بقالي أكتر من أربعين سنة بشتغل في ورديات الليل — ساعات هادية بقضيها في تنظيف الحمّامات، ومسح المرايات، ومسح الأرضيات تحت نور ضعيف.
مباني حكومية، محطات أتوبيس، أماكن الناس بيدخلوا ويخرجوا منها من غير ما يفكروا فيها مرتين.
في ناس بتقول إن الحياة دي وحيدة.
ما جادلتهمش.
بس ما وافقتش كمان.
لأن الشغل الشريف ليه كرامته. ولما الدنيا كلها تنام، الصمت بيديك مساحة تتنفس.
ومع ذلك… لما تدي جسمك ووقتك وشبابك عشان تربي ولادك، بتتمنى في سرّك حاجات صغيرة: زيارة، مكالمة، كارت عيد ميلاد بخط متعرج من حفيد.
الكروت وقفت من زمان.
عندي ثلاثة أولاد — منى، فاطمة، وأحمد. كلهم كبروا، كلهم ناجحين. شهاداتهم معلقة على حيطان
وأنا؟
أنا الصفحة اللي قفلوها في هدوء.
الأعياد بتيجي وتروح زي الهوا في شارع فاضي.
كل سنة الأعذار بتتغير، لكن النتيجة هي هي:
– تذاكر الطيران غالية يا ماما.
– العيال عندهم دروس ونشاطات.
– هنقضي العيد مع أهل جوزي المرة دي.
– يمكن السنة الجاية.
والسنة الجاية عمرها ما بتيجي.
عشان كده بكمل شغلي.
أنضف الدنيا اللي عايشين فيها، حتى لو نسوني أنا اللي ساعدت في بنائها.
كنت في محطة استراحة على طريق القاهرة – إسكندرية الصحراوي، في فجر يوم تلات، لوحدي في نص الورديه، بمسح البلاط البارد والليل لسه مغطي السما.
ساعتها سمعته.
في الأول كان الصوت ضعيف… متقطع… شبه مواء قطة ضايعة.
قلبي وقف.
رجع الصوت تاني أوضح… بكاء رفيع، يائس، مش ممكن يطلع من حمّام فاضي.
رميت المكنسة وجريت ناحية الصوت.
لقيته ورا صندوق الزبالة التاني — اللي دايمًا بيتملي الأول.
ركعت، وقلبي بيخبط، وزحزحت الصندوق.
وهناك كان…
طفل مولود جديد.
صغير جدًا، بيرتعش، ملفوف في بطانية مقطعة، مرمي وسط مناديل ممزقة وعلب شبسي فاضية.
كان فيه سويتشيرت أزرق باهت تحت البطانية، كأنه محاولة صغيرة للرحمة.
كان عايش… بالعافية.
شيلته في حضني من غير ما أفكر، وضميته لصدري، كأن جسمي افتكر حاجة قبل عقلي.
وفي اللحظة دي — وأنا واقفة على أرضية حمّام ساقعة، شايلة طفل متساب يموت — حسيت إن حياتي اتغيّرت للأبد.
لأن لأول مرة من سنين… كان فيه حد محتاجني.
وبالرغم إنه كان متساب، واضح إن اللي سابه حاول يحطّه بأقصى راحة ممكنة. ما اتأذّاش… بس كان مستني حد ينقذه.
لقيت ورقة صغيرة مدسوسة في البطانية:
«ماقدرتش… من فضلك، خلي بالك منه.»
همست وأنا دموعي بتنزل:
– يا نهار أبيض… يا حبيبي، مين اللي سابك كده؟
الورقة كانت بتقول تاني:
«ماقدرتش… من فضلك، خلي بالك منه.»
هو طبعًا ما ردش، بس قبضته الصغيرة شدت أكتر. قلبي دق بسرعة، ضميته لصدري ولفيته بجاكت قميصي. إيديا كانت خشنة ومبلولة بريحة الكلور، بس ده ماكانش مهم.
قلت له وأنا برفعه برفق:
– أنا معاكي… إنت في أمان دلوقتي.
فجأة باب الحمّام صرّ وفتح.
وقف راجل ضخم، سواق نقل، طويل وعريض الكتف، وعينيه تحتها هالات سودا من قلة النوم.
ثبت نظره على الحزمة اللي في إيدي وقال وهو متلخبط:
– إيه ده؟… ده طفل؟!
قلت بسرعة وأنا بعدّل البطانية حواليه:
– أيوه، لقيته ورا صندوق الزبالة. لازم تتصل بالإسعاف حالًا، أنا بحاول أدفيه.
الراجل
قال وهو بيكلم الإسعاف:
– إحنا في محطة الاستراحة على طريق القاهرة – إسكندرية الصحراوي. لقينا طفل مرمي جنب صندوق الزبالة عند الحمّام. عاملة النظافة هنا بتحاول تدفيه. الطفل بيتنفس بس ضعيف جدًا.
بص لي وقال بحزم:
– هنساعده يا مدام… هننقذ الصغير ده.
زفرت ببطء… كنت عارفة إن الإسعاف قرب يوصل، وهيساعدونا، ونقدر ننقذ الصغير ده.
وفعلاً بعد دقائق، وصلت عربية الإسعاف. المسعفين خدوا الطفل من حضني بلطف، لفّوه في بطانية حرارية دافية، وابتدوا يسألوني أسئلة أنا بالكاد سمعتها.
واحد منهم قال:
– محظوظ إنك لقيتيه… ساعة كمان وكان ممكن ما يلحقش.
طلعت معاهم في العربية من غير ما أفكر، كان لازم أتأكد إنه هيبقى بخير.
في المستشفى، سجلوه باسم مجهول الهوية.
لكن أنا كان عندي اسم تاني ليه: المعجزة الصغيرة… يوسف.
رعايته ما كانتش سهلة — لا في سني، ولا مع شغلي اللي كله ورديات ليل.
الأخصائية الاجتماعية الأولى، ست طيبة اسمها مدام هالة، ما جملتش الحقيقة.
قالتلي في أول زيارة:
– يا مدام سعاد، لازم أكون صريحة. إنتي لسه بتشتغلي وظيفتين، ووردياتك كلها بالليل. مفيش جهة هتوافق
قلت لها:
– طب ولو غيّرت ده؟ لو قللت الشغل، وسِبت الليل، وقعدت في البيت بالليل؟
بصتلي بدهشة:
– هتعملي كده؟
قلت لها وأنا ثابتة:
– أيوه. أنا عملت كتير لناس ما قالوش حتى شكراً. أقدر أعمل أكتر شوية لشخص لسه ما خدش فرصته.
وفعلاً عملت كده. سبت عقود التنظيف، بعت شوية عملات قديمة كنت مجمّعاها،