هديتي للكاتبه نرمين همام حصري لموقع لمحة
واستخدمت جزء من مدخراتي. خلّيت الموضوع ينجح. مش رفاهية، بس كان كفاية وزيادة.
بعد ست شهور، رجعت مدام هالة. دخلت أوضة الأطفال اللي جهزتها — بسيطة بس دافية — وحطت قلم على الترابيزة.
قالتلي:
– لو إنتي لسه متأكدة، نقدر نخلي الموضوع رسمي.
قلت من غير تردد:
– أنا متأكدة. عايزاه للأبد.
وهكذا… كفلت يوسف ايوا الست بتاعه دار الراعيه وقفت جنبي الكل قال ماينفعش لكن ربك لما يريد
حاولت أقول لأولادي. بعتلهم صور ليوسف وهو لابس لبس جديد ولطيف.
منى ردّت بإيموجي 👍.
فاطمة ما ردتش خالص.
أما أحمد كتبلي:
– يا رب ما يكونش ده دائم.
بس الحقيقة ما كانش يهمني.
كان عندي طفل أربيه من جديد. فرصة تانية ما طلبتهاش، لكنها جتلي كهدية.
يوسف كبر… المعجزة بجد.
في خمس سنين كان بيقرأ موسوعات الأطفال.
في عشر سنين كان بيجمع عينات تربة ويزرع طحالب في برطمانات على شباك الأوضة.
كان بيحب الضفادع، والنجوم، والأسئلة اللي محدش غيره يفكر يسألها.
في ستاشر سنة شارك في معرض علمي على مستوى الجمهورية بمشروع عن استخدام الفطريات لعلاج التربة الملوثة.
ساعدته يشيل لوحة العرض لقاعة المدرسة، ووقفت في الصف الخلفي أتابعه وهو بيشرح بثقة أكبر من ناس كبار أعرفهم.
وكسب المركز الأول، وطبعًا لفت نظر دكتور من جامعة القاهرة اللي عرض عليه منحة في برنامج أبحاث صيفي للشباب.
لما دخل المطبخ وهو ماسك جواب القبول وصوته بيرتعش،
– ما قلتلك يا حبيبي؟ إنت هتغيّر الدنيا.
ولما وصل 18 سنة، اتدعى لمؤتمر قومي يعرض فيه أبحاثه.
قعدت وسط الحضور، مش متأكدة إذا كنت أنتمي لقاعة مليانة بدل شيك وشنط ماركات.
لكن لما ابني وقف على المسرح، كل حاجة اتغيّرت.
تنحنح، عدّل الميكروفون، وبص في القاعة لحد ما لقى عيني.
قال:
– أمي هي السبب إني واقف هنا. هي اللي لقتني وأنا وحيد، وادّتني حب وكرامة وكل فرصة محتاجها عشان أبقى اللي أنا عليه. وما سمحتليش أنسى يوم إن ليّا قيمة.
التصفيق كان مدوي. أنا ماقدرتش أتنفس، ولا حتى أصفق. قعدت بس، والدموع نازلة على خدّي، وأنا عارفة إن عمري ما حسيت بالفخر زي اللحظة دي.
بعد سنة، وأنا بنفض سجادة قديمة في بلكونة بيتنا في شبرا، ركبتي خذلتني. الألم كان حاد وسريع لدرجة حسيت إني هفقد الوعي. حاولت أقعد، لكن الدنيا لفت بيا.للكاتبة نرمين همام
صرخت… وما كانش فيه حد.
فضلت حوالي عشرين دقيقة لحد ما جارتي مدام أمينة سمعتني ونادت على يوسف.
يوسف وصل بسرعة، شعره منكوش وجاكتته نص مقفولة، كأنه ما فكرش غير إنه يجيلي.
جثا جنبي ومسح التراب من على وشي.
قال:
– ما تتحركيش يا ماما. أنا هنا… أوعدك.
بعد العملية، ماقدرتش أمشي أسابيع.
يوسف رجع يعيش معايا من غير أي تردد. كان بيطبخ العشا كل يوم، ويعمل كيكات صغيرة للصبح، ويغسل الغسيل، ويقعد معايا في الساعات البطيئة المؤلمة.
أوقات كان يقرألي
في ليلة من الليالي، جابلي طبق فطيرة تفاح مع كسترد دافي، وقعد على طرف السرير.
قال:
– ماما، ممكن أسألك حاجة؟
قلت له بابتسامة:
– طبعًا يا معجزتي.
قال:
– لو حصل لك حاجة يوم… أعمل إيه؟ أكلم مين؟ أخواتي؟
مديت إيدي وخدت إيده وضغطت عليها برفق.
قلت له:
– إنت مش محتاج تكلم حد. إنت الشخص.
في الليلة دي، بعد ما يوسف نام، طلعت دفتري وكتبت صيتي. كل حاجة هتكون ليه.
ولما حكيت لأولادي التانيين عن سقوطي، طلبت منهم يزوروني أو يساعدوني في العلاج أو أي حاجة.
ماحدش رد.
ولا حتى رسالة سلامتك.
يوسف اعترض لما قلت له إنى حكتبله كل حاجة
قال بهدوء:
– مفيش داعي يا ماما… أنا عمري ما احتجت أي حاجة من ده.
بصيت له… للراجل اللي ربيته وحبيته، واللي شفته بيكبر من حزمة صغيرة مرتعشة لإنسان لسه محتفظ بالحنان في دنيا نادرًا ما بتديه.
قلت له:
– الموضوع مش احتياج يا يوسف. ده حقيقة. إنت جيت الدنيا طفل محبوب. أمك ماقدرتش ترعاك لأي سبب، لكنك عمرك ما كنت بديل في حياتي. إنت الهدية اللي لقيتها… والهدية اللي بفتخر بيها.
غمض عينيه لحظة وقال:
– هم هيحاولوا يا ماما… لما يعرفوا.
أوميت براسي. كنت مجهزة كل حاجة. كنت عارفة ولادي بقوا قساة، وماكنتش هسمح لهم يحاربوا يوسف بعد رحيلي.
في الأسبوع اللي بعده، المحامي بعت رسائل مسجلة لكل واحد من ولادي،
وعشان مايبقاش فيه مفاجآت، الرسائل كان فيها حاجات رمزية صغيرة:
منى هتاخد عقد فضة كانت معجبة بيه وهي عندها 16 سنة.
فاطمة هتاخد الفازة الزجاج اللي عمرها ما حبتها.
أحمد هياخد ساعة نحاس قديمة كان بيكرهها عشان بتصحيه في معادها.
وأحمد خد ساعة نحاس قديمة كان بيكرهها لأنها بتصحيه في معادها.
كنت رتّبت كل حاجة خلاص. لا أكتر ولا أقل.
الردود جت بسرعة: تهديدات بالقضايا، إيميلات مليانة كلام جارح، ورسالة صوتية من فاطمة صاخبة وحادة لدرجة إن يوسف اضطر يخرج يتنفس.
لقيته بعد كده قاعد على السلم الخلفي، ضامم إيديه وباصص للنجوم.
قال بهدوء:
– هم غاضبين يا ماما… أنا ماكنتش عايز الموضوع يبقى قبيح.
قلت له:
– عارفة يا حبيبي… وأنا كمان ماكنتش عايزة كده. بس هم اختاروا طريقهم من زمان. بعد الجامعة، كلهم سابوني. حضرت أفراح منى وفاطمة، لكن ما دعونيش لميلاد أولادهم. أحمد اتجوز في تايلاند وما دعانيش. إنت الوحيد اللي ما طلبتش حاجة.
بص لي والدموع في عينيه وقال:
– إنتِ ما طلبتيش غير الحب والاهتمام. أخدتِ كل لحظة من حياتك وادّيتيني كل اللي كنت بحلم بيه. منحتيني فرصة أبقى ابن لست بتحبني.
قلت له وأنا ماسكة إيده:
– ما طلبتش حاجة.
ابتسم وقال بعد لحظة:
– إنتِ عملتِ الصح. حتى لو ما احتجتش يوم لحاجاتك، أنا دايمًا كنت محتاجك.
وده اللي شايلة في قلبي
لما برجع بذاكرتي لليلة البرد دي، وصوت الطفل في الضلمة، وطريقة انحناءه على صدري كأنه ما يعرفش دفء غير حضني… ما بفتكرش إني أنقذت حياة.
بفتكر إني لقيت حياة.
وأديته كل اللي عندي… زي ما هو إداني الحاجة الوحيدة اللي كنت فاكرة إنها راحت مني للأبد:
سبب إني أحب.
سبب إني أعيش.
وسبب إني أعرف إن ليّا قيمة.
وأديته كل اللي عندي.
مع تحياتي نرمين عادل همام
تمت