حقيقة مخفيه الكاتبة نرمين همام حصري لموقع لمحة

لمحة نيوز

هز راسه بسرعة، وضمها بحذر من غير ما يلمس ضهرها، وباس شعرها:

– لأ… أبدًا. إنتي عملت الصح.

الطريق لمستشفى الأطفال كان شكله ما بيخلصش. كل مطب يخلي ليلى تئن، وكل صوت يشد قلب خالد. إيده على الدركسيون والتانية جنبها، كأنه قربه بس ممكن يحميها من الألم.

في المستشفى، الطاقم اتحرك بسرعة. دخلوا ليلى فورًا، أدّوها مسكنات، وحطوها في سرير وسط أيدين هادية وفعّالة.

قدّم نفسه دكتور أطفال اسمه د. سامي، عيونه طيبة وسلوكه جاد، بابتسامة صغيرة ما خبّتش خطورة الموقف.

ومع إزالة الضمادة طبقة ورا طبقة، ساد الصمت.

قال الدكتور سامي وهو باصص لخالد:

– الجرح ده بقاله أيام. فيه علامات عدوى منتشرة. محتاجة مضاد حيوي ومتابعة. هنخليها هنا الليلة.

خالد قعد جنب السرير، صوته مكسور وهو بيسأل:

– هتبقى بخير؟

قال الدكتور سامي بهدوء:

– هتبقى كويسة… لأنك جبتها في الوقت المناسب.

وأثناء الفحص، اكتشفوا

كدمات إضافية في دراع ليلى وجنبها. ولما سألوها بلطف إزاي حصل ده، صوتها كان بالكاد مسموع:

– مسكتني وهي بتصرخ…

خرج الدكتور سامي مع خالد وقال:

– أنا ملزم أبلّغ عن ده. واضح إنه أذى جسدي وإهمال طبي.

رد خالد فورًا:

– من فضلك… اعمل اللي لازم تعمله.

في نفس الليلة، وصل المحقق محمود فوزي وضابطة خدمات الأطفال إيمان عبدالسلام. خالد شرح لهم كل حاجة: سفره للشغل، خوف ليلى، الإصابات، التحذيرات. ولما طلبوا منه يتصل بوالدتها نجلاء، حط خالد الموبايل على مكبر الصوت.

ردت نجلاء بحدة:

– إيه الموضوع العاجل؟ أنا مشغولة.

قال خالد بثبات:

– أنا في المستشفى مع ليلى. ليه ماخدتيهاش لدكتور؟

قالت نجلاء بحدة:

– كان حادث. العيال بيقعوا. إنت مكبّر الموضوع.

رد خالد:

– عندها جرح ملتهب وكدمات على شكل صوابع في دراعها. وهي بتقول إنك زقيتها.

سكتت لحظة طويلة كأنها متعمدة.

وبعدين قالت:

هي بتبالغ. عايزة اهتمام.

الضابطة إيمان فضلت تكتب، ووشها ما بيبانش عليه أي تعبير.

في الليلة دي، رجع خالد البيت بسرعة عشان يجهز هدوم ليلى. وهو بيدوّر في دولاب الأوضة على شنطتها، لاحظ شنطة صغيرة مستخبية ورا صف الأحذية.

جواها كان فيه جوازات سفر، فلوس، وأوراق سفر مطبوعة لرحلة مغادرة بدري الصبح.

مطوية بينهم ورقة مكتوبة بخط إيد واضح إنه خط نجلاء.

لو اتكلمتِ… هنمشي. باباكي عمره ما هيلاقينا.

إيدين خالد ارتجفت وهو بيسلّم كل حاجة للمحقق محمود فوزي.

قال المحقق بهدوء:

– ده معناه نية للهروب. الوضع اتغيّر تمامًا.

ولما وصلت نجلاء المستشفى في نفس الليلة، كانت متماسكة، لابسة شيك، وصوتها مليان استياء. اتهمت خالد إنه بيتلاعب وبيبالغ وعايز يدمّرها.

المحقق محمود حط جوازات السفر على الترابيزة وقال:

– تحبي تشرحي دول؟

نجلاء ما قالتش حاجة.

وبالصبح، المحكمة منحت خالد الحضانة الطارئة.

الأسابيع بقت شهور. ليلى بدأت تتعافى ببطء جسديًا ونفسيًا. جلسات العلاج ساعدتها تلاقي كلمات لمشاعر كانت مخبية طول عمرها. المحكمة راجعت التقارير الطبية والصور والشهادات والأدلة. وفي الآخر، منحت الحضانة الكاملة لخالد.

أما نجلاء، فخدت حق الزيارة تحت إشراف، بشرط تلتزم بالعلاج اللي المحكمة أمرت بيه.

في يوم بعد الظهر، بعد شهور، خالد شاف ليلى بتجري في ملعب المدرسة، بتضحك بحرية، شعرها بيتطاير وهي بتتحرك من غير ألم ولا خوف.

بصت له بابتسامة وقالت:

– بابا… إنت صدقتني.

خالد ابتلع ريقه بصعوبة، وصوته اتخنق بالعاطفة:

– دايمًا.

ولأول مرة، ليلى صدّقت ده فعلًا.

الأطفال ما بيكذبوش لما يهمسوا بخوف.

هم بيتكلموا عن البقاء.

أخطر أذى مش دايمًا اللي صوته عالي أو شكله واضح؛ ساعات بيكون المعاناة الهادية، مستخبية ورا تحذيرات وتهديدات وصمت متغطي في شكل حماية.

الثقة ما بتتبنيش بالسلطة، لكن

بالتصديق… بالاستماع حتى لو الكلام صعب، وبالتحرك حتى لو الموقف مش مريح.

أوقات الحب ما بيبانش كراحة.

أوقات بيبان كأنه شجاعة.

وساعات، إنقاذ حد بيبدأ من لحظة إنك تختار تسمع الحقيقة اللي اتقال له يخفيها.

مع تحياتي نرمين عادل همام

تمت

تم نسخ الرابط