قصه وعبره

يفقد فرصة عمل لمساعدته امرأة مسنة بقلم الكاتبة نرمين همام

لمحة نيوز

يفقد فرصة عمل لمساعدته امرأة مسنة ويتأخر عن مقابلة العمل .

بقلم الكاتبة نرمين عادل همام

دي كانت تالت مقابلة شغل (انترفيو) في شهرين، وكان حاسس إن لو الفرصة دي راحت، مش هيلاقي حل تاني يصرف بيه على البيت. افتكر أمه وهي بتدعي له الصبح وبتمسح على شعره: "روح يا بني، ربنا يوقف لك ولاد الحلال.. الدنيا ساعات بتبقى قاسية، بس إياك إنت تقسى يا يوسف، خليك دايمًا جدع."

وهو بيجري عشان يلحق المترو، عينه لمحت "محطة أتوبيس" متبهدلة. تحت التندة اللي بتنقط مية، كانت قاعدة ست عجوزة، ملامحها "ست مصرية أصيلة"، لابسة بالطو كحلي وطرحة رمادي، وجسمها كله بيرتعش من البرد. كانت بتحاول تقوم وهي ساندة على العمود بس رجلها مش شايلاها.

الناس كانت بتعدي من قدامها، اللي بيبص لها بضيق، واللي عامل نفسه مش شايفها وعاوز يلحق حاله. يوسف فرمل مكانه، بص في ساعته: "لو وقفت هتأخر.. لو مشيت هسيبها تموت في البرد ده." افتكر كحة أمه وتعبها، اتنهد بعمق ولف رجع لها تاني.

الموقف اللي غير كل حاجة
– "يا حاجّة.. إنتي كويسة؟" يوسف نزل على ركبه جنبها. الست رفعت راسها، عينيها كانت تايهة

بس فيها عزة نفس غريبة: "دوخت يا ابني.. حاسة ضغطي واطي ومش قادرة أصلب طولي."

يوسف لقى إيديها متلجة. من غير تفكير، قلع الجاكيت بتاعه -اللي كان مبلول بس لسه فيه دفا- وحطه على كتافها: "أنا هساعدك يا أمي، امسكي في رقبتي." الست اتكسفت وقالت بصوت واطي: "يا بني هعطلك.." – "عطلك إيه بس، أنا مش هسيبك هنا."

شالها بالراحة، كانت خفيفة زي الريشة، بس الأرض كانت "مزحلقة" والمطرة بتخبط في ظهره. وهي ساندة عليه، همست في ودنه: "كتر خيرك يا ضنايا.. كتر خيرك إنك ما مشيتش زي الباقيين."

يوسف كان بيحسبها في دماغه: "الشركة فاضل عليها شارعين، والمستشفى أبعد شوية.. مش مهم، أوصلها لمكان أمان الأول." وفجأة، عربية "مرسيدس" سوداء فرملت جنبهم وطرطشت مية. نزل منها راجل ببدلة شيك جداً وهو بيجري ومش هامّه المطرة.

– "أمي!" الراجل زعق بخوف وهو بيقرب منهم. الست لما شافت ابنها، ارتاحت شوية. الراجل قرب وسندها من يوسف: "إيه اللي حصل؟ إنتي كويسة؟" الست ردت بتعب: "دوخت .. والجدع ده هو اللي شالني، لولاه كان زماني مرمية في الطينة."

عرض عليه يوصله، بس يوسف اعتذر بأدب: "لأ يا فندم،
أنا عندي انترفيو هنا قريب، وأنا أصلاً اتأخرت. الست مسكت إيد يوسف: "ربنا يبارك لك يا ابني، إنت أحسن من ناس كتير فاكرين نفسهم "مهمين"."

يوسف وصل الشركة وهو "مبلول مية"، الأمن بصله بقرف: "إنت رايح فين يا أستاذ بالمنظر ده؟" – "عندي انترفيو.. وظيفة محلل مبتدئ، الساعة 10.".. بص في ساعته كانت 10 وعشرة.

موظفة الاستقبال (الريسبشن) بصت له ببرود وقالت: "يا أستاذ يوسف، الانترفيو خلص، والمدير بتاع الـ HR "دقيق جداً" في مواعيده.. اتفضل قدم الـ CV بتاعك في وقت تاني."

الكلمة نزلت عليه زي "جردل مية سقعة". يوسف خرج من المبنى وسند بظهره على الحيطة، قعد على "قفص بلاستيك" جنب كشك سجاير، وحط الدوسيه المبلول على رجله، وكان هيبكي من القهر. "يمكن كان لازم أمشي وما أقفش؟" فكر للحظة، بس صورة الست وهي بترتعش خلته يحس إنه عمل الصح.

طلع موبايله عشان يكلم أمه ويقولها إنه فشل، بس لقى رسالة وصلت له حالا: "أستاذ يوسف، يرجى العودة لمقر الشركة فوراً.. "الإدارة العليا" طالبة تقابلك حالاً."

يوسف كان واقف ساند ظهره على كشك سجاير في "جاردن سيتي"، بيبص بشلل لشاشة موبايله

اللي "مكسورة ميت حتة". كان لسه طالع من انترفيو في شركة "الناير" للمقاولات، واترُفض ببرود عشان "تأخيره" عشر دقائق.. محدش سمع منه ليه اتأخر، ولا اهتموا إنه كان غرقان في المطر.

وهو واقف بيلهث، جاتله رسالة.. موبايله اهتز في إيده اللي كانت بترتعش، مش من برد الشتا اللي لسه مبلل قميصه، لا.. ده من الصدمة. "الأستاذ يوسف  مطلوب رجوعك للشركة فوراً.. قرار من مكتب رئيس مجلس الإدارة شخصياً."

يوسف قرأ الرسالة وغمض عينه.. "أكيد دي اشتغالة"، قالها لنفسه وهو بيمسح مية المطر عن وشه. يمكن السكرتيرة اللي بصتله بـ "شفقة" وهي بتطرده، حنّ قلبها عليه؟ لا.. دي الرسالة التانية كانت أوضح وأشد: "أستاذ يوسف، إياد بيه الناير مستنيك في مكتبه.. حالاً."

الأسانسير فتح على عالم تاني.. سجاد تقيل، ريحة بخور غالي، وهدوء مرعب. طلعت له مساعدة شيك جداً، مشيت قدامه بـ "كعبها" اللي بيخبط في الرخام زي دقات الساعة.. وقفت قدام باب خشب راقي ضخم مكتوب عليه "إياد الناير".

يوسف ريقه نشف أول ما شاف الاسم.. افتكر الراجل اللي كان بيزعق في التليفون وهو بيساعد "الست العجوزة" تحت المطر

في ميدان التحرير قبل ساعة. المساعدة

تم نسخ الرابط