الحاجة فاطمة بقلم نرمين همام
بسم الله والصلاه والسلام على اشرف الخلق سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم
الحاجة فاطمة بقلم الكاتبة نرمين همام
أنا اسمي الحاجة فاطمة عندي 73 سنة وعمري ما شفت في حياتي يوم سهل دايما كانت الدنيا بتلطش فيا وكنت بقول يا رب صبرني. قولت لما أكبر هلاقي الراحة في وسط عيالي.
بعد ما جوزي اتوفى سيبت بيتنا القديم اللي في القرية البيت اللي كان مبني من الطوب والتراب ورحت المدينة عشان أعيش مع ابني الوحيد هاني ومراته شيرين.
في الأول قولت السعادة ضحكت لي خلاص. هاني ابني بقى مدير كبير في شركة إنترناشونال وعايش في شقة زي القصور العفش بيبرق والأضواء في كل حتة.. بس ماكنتش أعرف إن ورا البرق ده تلج بياكل في الروح.
كنا نادرا لما نقعد نتعشى سوا. يا هاني يا حبيبي مش هتاكل معانا لقمة ده أنا عملت لك شوية رز مفلفلين إنما إيه. بص في ساعته بضيق وقالي ورايا شغل يا أمي.. كلي إنتي وشيرين.
شيرين كانت بتنزل عينيها في الأرض وتهمس بصوت واطي طب لقمة واحدة بس يا حبيبي.. الشوربة لسه سخنة وهترمم عضمك. قولت مش جعان! خلاص بقى! هاني زعق فيها وهو بيرزع المعلقة على الترابيزة.
نفسي اتقطع في صدري.. النظرة دي القسوة دي كانت هي هي نظرة أبوه زمان قبل ما يمد إيده عليا. شيرين سكتت خالص وحاولت تبتسم ابتسامة مكسورة
وتقولي معلش يا ماما.. هو بس مضغوط وتعبان.
بس أنا شفت الحقيقة.. شفت علامة زرقاء غامقة على معصم إيديها لسه جديدة ووجعها باين.
ليلتها النوم جفاني. وعلى الساعة 3 الفجر صحيت على صوت المية وهي نازلة في الحمام بغزارة. استغربت وقولت في بالي هو هاني بيستحمى في وقت زي ده ليه والجو برد!
بس صوت المية مكنش طبيعي.. مكنش انسياب مية وبس كان فيه صوت تاني داخل معاها.. يا ترى ده بكاء ولا أنين حد موجوع
قربت ببطء.. باب الحمام كان موارب وطالع منه ضوء أصفر باهت من فتحة الباب. حبست نفسي وبصيت من الفتحة دي.. واللي شفته كان هيقطع قلبي ويخليني أفقد الوعي.
هاني مكنش لوحده. شيرين كانت قاعدة على أرضية الحمام الساقعة هدومها غرقانة مية بالكامل وشعرها ملزوق على وشها وجسمها بيتنفض نفضة عمري ما شفت زيها.. مكنتش نفضة برد وبس دي كانت نفضة خوف وكسرة نفس. بقلم الكاتبة نرمين همام دموعها كانت نازلة ودايبة في مية الدش لدرجة إن المنظر كله كان عامل زي لوحة وجع صامتة.
أما هاني فكان راكع قدامها وفاتح الحنفية على آخرها وإيديه بتترعش وهو بيغسلها بعصبية هستيرية. كان بيحط إيده تحت المية مرة ورا التانية كأنه بيحاول يمسح حاجة المية مابتتمسحش بها. كان بيردد بصوت متقطع
أقسم بالله.. ماكنت أقصد ده يحصل.. ماكنت أقصد.. ماكنت أقصد..
مكنش بيبص لها أصلا كان باصص لإيديه.. لأثر هو مش عاوز يشوفه. لون المية اتغير للحظات
صرخت من غير ما أحس هاني! إنت عملت إيه!
صوته المكتوم طلع قبل ما يرفع راسه ليا. وشه كان مخطوف وعينيه واسعة ومبرقة زي عيل تايه في وسط عاصفة. يا أمي.. كانت حادثة.. فقدت أعصابي.. ماكنتش أقصد..
قربت من شيرين ومابصيتش لابني.. مكنتش قادرة أبص له. ركعت جنبها وحطيت إيدي على كتفها صرخت من الوجع. شفت الجرح اللي في دراعها.. مكنش مجرد خدش ده كان جرح غويط وأحمر وواضح وبينزف ببطء. بس الأهم إنها كانت بتتنفس.. كانت لسه عايشة.
قولتلها بصوت مرعوش ماتخافيش يا بنتي.. أنا جنبك.. مفيش حاجة هتحصل لك..
مسكت موبايلي وإيدي مابتطلطلش ردي وطلبت الإسعاف. ماعرفش إزاي قولت العنوان ولا إزاي شرحت اللي حصل. كل اللي فاكراه هو صوت السارينة وهي جاية من بعيد كأنها بتشق ضلمة الليل عشان ترجع شوية نظام للفوضى دي.
الدقائق كانت بتعدي ببطء يقتل. هاني قعد على الأرض وسند ضهره على الحيطة وفضل يعيط. مكنش عياط راجل قوي واتهزم ده كان عياط طفل ضعف وبان ضعفه فجأة. مابقتش أنا.. كان بيهمس الشغل.. الضغط.. القرف.. الغضب.. كل حاجة اتكومت عليا.. مابقتش عارف نفسي..
ماردتش عليه. كنت ضاغطة بحتة قماش على جرح شيرين وبحاول أثبت نفسي قبل
غطوا دراعها وطمنوها وأنا قلبي كان بيتقطع عليهم هما الاتنين. أما هاني فوقف بهدوء غريب أول ما قرب منه العسكري. لا قاوم ولا اتخانق بقلم الكاتبة نرمين همام ولا حتى حاول يبرر اللي عمله. مد إيديه للكلبشات كأنه واحد كان عارف إن اللحظة دي جاية جاية وإن الستر آخره خيط رفيع وانقطع. خرج من باب الشقة والكلبشات في إيده ورأسه في الأرض ما رفعهاش.
في اللحظة دي حسيت إن فيه حاجة جوايا اتكسرت ومستحيل تتصلح تاني.
شيرين نجت الحمد لله إنها قامت بالسلامة. بس النجاة مابتبقاش دايما نهاية الحكاية دي بتبقى البداية المؤلمة لكل حاجة. شيرين احتاجت علاج طويل ومش بتكلم عن دراعها اللي اتخيط لا أنا بتكلم عن قلبها وروحها. الجروح اللي بتلم بخيط الجراحة أهون بكتير من الجروح اللي بنخيطها بالسكوت والخوف. نظرتها لما شوفتها في المستشفى بعد كام يوم كانت تخوف مكنتش نظرة وجع جسدي كانت نظرة إنسانة فيه حاجة غويطة انكسرت جواها حاجة مابترجعش.
مراجعتش الشقة تاني.. مكنتش تقدر. وده كان حقها الكامل من غير نقاش ولا تبرير ومن غير ما تستنى اعتذار مالوش لازمة.
أما الشقة اللي كانت بتبرق بالفخامة والعفش الغالي اتحولت لمكان صامت تقيل على النفس.