الحاجة فاطمة بقلم نرمين همام
على الوشوش اختفت بقلم الكاتبة نرمين همام والأنوار اللي كنت فاكراها دفا انطفت وحتى العفش الغالي بقى عامل زي الشاهد الأخرس على ليلة مستحيل تتنسي ليلة انكشف فيها كل مستور.
قعدت لوحدي في الصالة بعد ما الكل مشي. الساعة كانت بتقرب من الفجر وكأنها بتسخر مني ومن حالي. قعدت أبص للصور اللي على الحيطة صورة هاني يوم تخرجه وهو واقف فخور وبيرمي قبعته في الهوا صور فرحهم وهما بيضحكوا ضحكة عريضة عمري ما شوفتها بعد كدة صور رحلاتهم للبحر وللجبال أماكن كانت الحياة فيها بتبان بسيطة وواضحة.. ومفيش فيها غدر.
سألت نفسي والوجع بيعصر في قلبي إزاي العتمة والسواد يقدروا يستخبوا ورا كل النور والأضواء دي إزاي الضحكة المرسومة تكون مجرد ستارة والشرخ اللي هدم البيت ده.. بدأ إمتى بالظبط
مرت الأيام وبعدها الأسابيع وحياتي بقت متقسمة بين مشوارين مشوار للمحكمة ومشوار للسجن. كنت أصحى من النجمة ألبس هدومي ببطء وأسرح شعري الأبيض قدام المراية وأقول لنفسي اتماسكي يا فاطمة.. إنتي أم.
كان يقعد ورا الزجاج يحط السماعة على ودنه ويبص لي بعينين غرقانة في ندم تقيل. في الأول مكنش بيقدر يحط عينه في عيني كان بيفضل باصص في الأرض كأنه مكسوف يواجه الصورة الحلوة اللي أنا
كنت بسمعه بس مابقتش بدور له على عذر.. كنت بدور على إجابة. في أنهي لحظة ابني ضاع مني هل كان فيه إشارة صغيرة وأنا طنشتها نظرة مافهمتهاش وهو لسه مراهق سكتة ماعرفتش أفسرها لما كان يرجع من شغله هلكان نرفزة وعصبية ماوقفتش قدامها بالحزم المطلوب
ساعات بلوم نفسي.. وأقول كان لازم أشوف العلامات قبل ما تكبر. كان لازم أقرب منه أكتر.. كان لازم أصمم إنه يتكلم. كان لازم ما أسكتش لما شفت أول علامة زرقاء على إيد شيرين.. كان لازم ما أصدقش الأعذار السهلة. وساعات أقول إن البني آدم مهما ربيناه بيفضل هو المسؤول عن اختياراته. الأم مابتتحبسش جوه روح ابنها للأبد. ماتقدرش تمسك إيد راجل شحط وتمنعه من الوقوع لو هو اللي اختار يبعد عن النور.
المحكمة كانت باردة.. الورق بيتقلب والأصوات ميري وقانونية والوجوه مابتعبرش عن حاجة. سمعت كلمات عمري ما تخيلت إنها تتقال عن ابني اعتداء فقدان سيطرة الكلمات كانت صعبه بس مكنتش جديدة عليا.. أنا شفتها في الليلة دي.. شفتها في عينيه وفي إيد شيرين اللي كانت بتترعش.
بعد ما الحكم صدر رجعت الشقة
وقفت عند الجملة الأخيرة دي كتير.. مش هكون زي أبويا. قفلت الكشكول وضميته لصدره.. قد إيه الدنيا قاسية لما بنكرر غلطات الناس اللي كنا فاكرين إننا هربنا منها.
بتعدي السنين بس الساعة 3 الفجر لسه بتصحيني.. مابقتش محتاجة منبه. جسمي بيعرف لوحده.. وروحي عارفة. بفتح عيني على صمت تقيل وبسمع في خيالي صوت المية.. بسمع الشهقات.. بسمع العياط. ساعات أمد إيدي في الضلمة كأني بدور على زرار أوقف بيه الزمن. وبعدين أقوم أمشي ببطء ناحية الشباك أزيح الستارة شوية وأشوف المطر وهو بيخبط على الزجاج. نقطة.. ورا نقطة.. فأرجع تاني لليلة دي.. للمية والعياط وأثر الدم اللي حاول يختفي.
أسأل نفسي كل مرة إمتى ابني تاه في ضلمته إمتى بقى يبرر غضبه بدل ما يواجهه إمتى بقى السكوت بينه وبين مراته بحر ملوش آخر
ساعات بكتب جوابات لشيرين مش
ورغم كل اللي حصل.. لسه بصلي. مش عشان أبرر اللي عمله هاني ولا عشان أشيل من عليه المسؤولية.. لا بصلي عشان يتعلم ويندم بجد ويتغير من جواه. بصلي إنه يخرج يوما ما إنسان عارف قيمة إنه يسيطر على نفسه قبل ما يفكر يسيطر على العالم. بصلي إن شيرين تلاقي سلام يرمم اللي انكسر في أعماقها. وبصلي إن مفيش أم تانية تضطر تشوف ابنها بيقع قدام عينيها ولا تشوف في عيون زوجة شابة خوف بيشبه النهاية.
أنا عشت 73 سنة وشفت عواصف تهد جبال. شفت الفقر ودوقت الوحدة وودعت جوزي واتحملت ليالي طويلة من الهم. بس الليلة دي.. الساعة 3 الفجر.. كانت هي العاصفة اللي عرفتني إن أقسى حاجة في الدنيا مش الفقر ولا المرض ولا العجز ولا حتى الموت.
أقسى حاجة هي إنك تشوفي حتة منك بتتحول لشخص ماتعرفيهوش وإنك تقفي عاجزة قدام اختياره وتفضلي رغم كل ده أم.. أم بقلب مابيبطلش يدق ولا بيبطل يدعي ولا بيبطل يتمنى إن الرحمة مهما اتأخرت تلاقي طريقها في يوم من الأيام لروح تاهت في السكة.
بقلم الكاتبة نرمين عادل
تمت القصة.