قسوة ابن العمر بقلمي نرمين عادل همام
قسوة ابن العمر بقلمي نرمين عادل همام
بسم الله والصلاه والسلام على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم
الست اعتماد اللي قضت عمرها كله دايرة على البيوت بتغسل وتكوي وتطبخ عشان تطلع ابنها هاني دكتور بجد ويشيل اسمها في العالي. كانت مبروكة الحتة بس عينيها انطفت من كتر الشقا والدموع وبقت كفيفة مابتشوفش غير بقلبها.
يوم التلات إيديها كانت بترتعش وهي ماسكة التليفون الأرضي القديم وصوت هاني جاي من القاهرة بارد زي التلج
يا ماما.. أنا بعت البيت والأرض اللي وراه خلاص.. قدامك 3 أيام وتخلي المكان.
قلبها اتنفض ومسكت في طرف الكرسي الخشبي اللي بقاله 40 سنة ساندها
هاني يا بني.. إنت بتقول إيه ده بيتنا.. ده المكان اللي كبرت فيه واللقمة اللي كنت بأكلها لك كانت بتيجي من غسيل الهدوم وتنشيرها في الأرض دي!
رد عليها بمنتهى الجمود
مابقتش بتاعتك يا ماما.. إنتي مأمنالي وموقعة لي على توكيل من سنين والموضوع خلص. أنا ليا حياتي دلوقتي وعيادتي الجديدة ومش قادر أشيل حمل ومصاريف بيت في الأرياف ملوش لزمة. الملاك الجداد هييجوا يستلموا الجمعة.
الخط قطع. حاولت تطلب الرقم مرة وعشرة.. الرقم الذي طلبته غير موجود في الخدمة. ابنها عمل لها بلوك من حياته.
يوم الجمعة وقفت عربية شيك قدام البيت. نزل منها اتنين رجالة بمعايير قياس ووراهم ست لابسة رسمي وماسكة
يا ست.. لازم تخلي البيت دلوقتي كل الورق قانوني وممضي.
اعتماد بصوت مخنوق ابني قالي قدامي تلات أيام! الست ردت ببرود والنهاردة هو اليوم التالت.. استعجلي عشان ورانا شغل.
قامت اعتماد من على كرسيها اللي شهد شقاها وقالت بكسرة هاخد اللي يكفيني في شنطة واحدة والباقي حلال على اللي هياخده.
جارتها الوفية أم فوزي جريت عليها وهي بتصوت
يا اعتماد! إيه اللي بيحصل ده ليه بيقيسوا بيتك يا اختي
باعوه يا أم فوزي.. ابني الدكتور باعه.
وهو فين الندل ده
ماتسأليش.. ملوش رقم ومبقاش ليا ابن.
خرجت الست اعتماد من باب البيت وهي شايلة شنطة بلاستيك فيها تلات غيارات وسبحة وعلبة كوتشينة قديمة مليانة أوراق.. إيصالات وفواتير وظرف أصفر ريحته رطوبة وسنين. أم فوزي سألتها إيه الورق ده يا اعتماد
دي أوراق المرحوم جوزي شلتها من يوم ما مات وكنت فاكراها هتنفع هاني.. عمري ما عرفت أقراها عشان نظري وهاني عمره ما سألني عنها.
أم فوزي خدتها من إيدها وسكنتها في أوضة صغيرة فوق السطوح عندها اقعدي هنا يا حبيبتي.. العين بصيرة والإيد قصيرة. اعتماد قعدت على السرير وحطت علبة الكوتشينة على صدرها وهمست
هيكلمني.. لما يفتكرني هيكلمني.. ده ابني.
أم فوزي سكتت وماقدرتش تنطق. وبرا كان صوت المتار والقياس شغال في الأرض اللي اعتماد سقتها عرق ودموع 20 سنة.
وفي
الست اعتماد كانت قاعدة في الأوضة الضيقة ريحة الفول المحروق وصوت راديو بعيد جاي من الشقوق كان هو الونس الوحيد. سألتها أم فوزي بنبرة حزينة معاكي كام يا اعتماد فتحت اعتماد شنطتها القديمة بإيدين بتترعش وطلعت 47 جنيه.. أم فوزي سكتت وبسرعة طلعت تليفونها وحاولت تطلب رقم هاني اللي اعتماد حافظاه صم.. الرقم مبيجمعش هاني غير رقمه ورمى وراه كل حاجة.
اعتماد وطت راسها وهي حاضنة علبة الكوتشينة وقالت أنا لسه في صحة يا أم فوزي أقدر أغسل هدوم الجيران مش عاوزة أكون حمل على حد.
بس اللي حصل بعد كده كان زلزال هز كيان الدكتور هاني في القاهرة. السيرة بدأت تفوح وصحاب قدام عرفوا اللي عمله وبقت نظرات الناس ليه في العيادة والمستشفى كأنها سكاكين. فجأة النجاح اللي كان بيجري وراه بقى طعمه مر.. الندم بدأ ينهش في قلبه وحس بغصة مش بتفارقه وكأن دعوات أمه بدأت تلاحقه في نومه وصحيانه.
في يوم هاني مقدرش يكمل حياته كده.. ركب عربيته وراح للحي القديم. أول ما دخل الحارة ريحة الغسيل المنشور وعرق الشقيانين خبطت في صدره فكرته
هاني قلبه وقع في رجليه قرب منها بخطوات تقيلة وحاول ينطق يا ماما.. أنا.. دموع اعتماد منزلتش عشان تستعطفه دي كانت دموع قهر سنين. قالت كلمة واحدة شقت قلبه نصين ليه.. ليه يا بني بعتني وأنا عايشة
هاني وقع على ركبه قدامها في وسط الحارة وبدأ يصرخ ويبكي لأول مرة في حياته. حس إن عيادته وفلوسه وبرستيجه كلهم ولا حاجة قدام كسرة قلب أمه. اعتماد طبطبت عليه بإيدها الخشنة وقالت بنبرة فيها وجع وحكمة الرزق مش بس فلوس يا هاني.. الرحمة والبر هم الرزق الحقيقي.
من اليوم ده هاني اتغير.. ساب العيادة الفخمة ورجع يفتح مستوصف صغير في الحي قعد مع أمه وبدأ هو اللي يخدمها يغسل لها هدومها بإيده ويرتب لها البيت اللي اشتراه تاني بضعف تمنه عشان يرضيها.
اتعلم إن البيت مش حيطان وسقف البيت هو حضن الأم ورضاها وإن السنين اللي ضاعت في الجحود مبيصلحهاش غير القرب والخدمة تحت رجلين اللي شقيت عشان نكون.
بدأ هاني يراجع شريط حياته كله كل مكالمة كنسلها كل مرة أمه اشتاقت له فيها وهو اتحجج بالشغل وكل مرة فضل فيها المظاهر الكدابة على حضنها الصادق. الندم كان بياكل في قلبه بس المرة دي قرر إنه مش هيكتفي بالندم هو هيبدأ من الصفر بس صفر إنسانية مش صفر
رجع البيت القديم اللي اشتراه