قسوة ابن العمر بقلمي نرمين عادل همام
تاني وبدأ ينضفه بإيده. أول حاجة عملها إنه جمع كل هدوم أمه القديمة اللي كان غطاها التراب وغسلها بنفسه وهو بيشم فيها ريحة شقاها عليه. فتح الصندوق الأصفر وبدأ يقرأ الورق ورقة ورقة.. لقى إيصالات لجمعيات كانت بتعملها عشان تجيب له لبس العيد تذاكر قطر كانت بتركبه عشان يروح جامعته رسايل شكر من جيران كانت بتغسل لهم عشان توفر له تمن الكتب. كل ورقة كانت بتحكي قصة تضحية هو كان أعمى عنها.
قعد جنبها مسك إيديها الخشنة وباسها وهو بيقول
يا ماما أنا كنت فاكر إن النجاح هو العيادة والفلوس بس اكتشفت إن السعادة هي إني أكون تحت رجليكي في البيت اللي كبرتيني فيه.
اعتماد عيطت بس المرة دي دموعها كانت غسيل لقلبها من الوجع. بدأت تحكي له حكايات زمان.. عن عم جرجس اللي كان بيجيب له الحلاوة وعن الليالي اللي كانت بتقضيها في عز البرد تغسل هدوم عشان يلحق هو دروسه. هاني كان بيسمع وهو بيضحك وبيبكي في نفس الوقت كأنه بيتعرف على أمه وعلى نفسه لأول مرة.
مكتفاش بكده هاني قرر يرجع الروح للحارة كلها. بقى يزور الجيران يساعد الغلابة وينزل مع أمه السوق يشتري لها الخضار والفاكهة ويشيل عنها الشنط وهو فخور بيها قدام الكل. أم فوزي وكل الجيران بقوا يبصوا له بإعجاب بعد ما كانوا بيلعنوه.
فتح في مدخل البيت
هاني في المستشفى بقى يحكي لزمايله الدكاترة عن تجربته عن إن الشهادات والبرستيج مالهومش قيمة لو الإنسان خسر أصله ورحمته. وبمرور الأيام حالة اعتماد النفسية اتحسنت جدا ضحكتها رجعت تنور وشها وبقت تحكي نكت وحكايات للأطفال اللي بقوا يتجمعوا حواليها في البيت القديم.
كل يوم الصبح هاني قبل ما يروح شغله يقعد مع أمه يشرب الشاي ويحكي لها عن الحالات اللي بتقابله ويستشيرها بقلبها الصافي. عرف هاني إن النجاح الحقيقي مش في الدكتور فلان النجاح في ابن الست اعتماد اللي عرف يرجع لروحه قبل فوات الأوان. اتعلم إن الحب الحقيقي مش بالعين اللي بتشوف لكن بالقلب اللي بيحس والدفا اللي مابيتشريش بكنوز الدنيا.
فعلا دي أجمل قفلة لحكاية هاني والست اعتماد.. نهاية بتقول إن الإنسان مهما غرق في زحمة الدنيا بيفضل جواه خيط نور يرجعه لأصله لو بس لحق نفسه قبل فوات الأوان.
بقى يوم هاني ما يكملش إلا وهو قاعد تحت رجلين أمه يحكي لها عن عيادته والغلابة اللي بيعالجم وعن الحالات اللي بتصعب عليه.. وهي تسمع بقلبها تدعي له مرة وتضحك على حكاية طريفة حكاها مرة تانية.
في نهاية كل يوم هاني يروح يقعد جنب سرير أمه يمسك إيدها الخشنة اللي شقيت عشانه ويقول لها بهمس
يا ماما.. أنا النهاردة بس بقيت دكتور بجد لأني اتعلمت أداوي قلبي قبل ما أداوي الناس. مش هسيبك تاني أبدا ولا هسمح للدنيا تسرقني منك.
الحارة بقت تحكي قصتهم للأطفال الصغيرين كأنها حدوتة عن الوفاء والرجوع للحق. الناس بقوا ييجوا يزوروا بيت اعتماد مش عشان حاجة بس عشان يقعدوا في وسط الدفا ده يسمعوا حكايات زمان ويتعلموا إن الأم هي السند اللي لو مال.. العمر كله بيميل.
هاني بقى شايف الدنيا بعيون تانية خالص عيون مابتبصش على أرصدة البنوك لكن بتبص على لمعة الفرحة في عين أمه. فهم إن كل لحظة بيقضيها وهو بيشم ريحة البيت القديم أو بيسمع صوت أمه وهي بتسبح هي كنز حقيقي أغلى من كل دهب الأرض.
وقرر هاني إن مفيش شروق شمس هيفوت من غير ما يشوف وش أمه ومفيش كلمة هتخرج منها إلا وتكون هي الدستور اللي بيمشي عليه. كل ما يشوف الضحكة رسمت تجاعيد وشها بفرحة يحس إن أبواب الجنة اتفتحت له في الدنيا قبل الآخرة. أدرك إن سنين الغربة والجاه والمنظرة كانت مجرد سراب ضيع فيه أغلى أيام عمره وإن الكنز
وفي يوم والجو دافي في البيت القديم قعد هاني جنب أمه على الكرسي الخشبي اللي شرب من عرقها وصبرها سنين. مسك إيدها وباسها وقال لها ونبرة صوته كلها خشوع
يا ماما.. أنا اتعلمت الدرس خلاص. أنا النهاردة بس بقيت ابنك اللي كنت بتحلمي بيه ومش هسيبك تاني أبدا لو كنوز الدنيا كلها تحت رجلي متبسش ضفرك.
اعتماد ابتسمت والدموع نزلت من عينيها اللي مابتشوفش لكن قلبها كان شايف هاني الصغير اللي كبر في حضنها رجع لها تاني وقالت بقلب راضي
يا بني ده اللي كان ناقصك.. إنك تعرف إن الحب والرحمة هم اللي بيعيشوا. الدنيا لسه بخير يا هاني طول ما فيه قلوب بتحن.
الحارة كلها بقت عايشة على سيرة اعتماد وابنها الدكتور. القصة مابقتش مجرد حكاية بقت عبرة لكل واحد نسي أصله ولكل ابن غره النجاح. اتعلموا إن التسامح ممكن يفتح صفحة جديدة بيضا وإن الرجوع للحق هو أعظم انتصار ممكن يحققه إنسان.
هاني فضل جنب أمه يسمع حكاويها اللي مابتخلصش يضحك على ذكريات طفولته ويبكي على وجع سابه فيها.. وكل لحظة كانت بتمحي سواد السنين. الأم شافت ابنها بقلبها وحست إن الروح رجعت للبيت وهاني عرف إن البيت مش مكان البيت هو الأم.
تمت.. بحب ورحمة لا تنتهي.
نرمين عادل همام