اختفاء بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
بسم الله والصلاه والسلام على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم
اختفاء بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
بعد ما يقرب من سنة على اختفاء ابني يوسف، شفت راجل متشرد داخل قهوة في حدائق القبة وهو لابس الجاكيت بتاع ابني.. الجاكيت اللي أنا رقعت الكم بتاعه بإيدي. لما سألت الراجل قالي إن فيه ولد هو اللي أداهوله، مشيت وراه لحد بيت مهجور قديم، واللي شفته هناك غير كل اللي كنت فكراه عن حكاية اختفاء ابني.
آخر مرة شفت فيها يوسف، ابني اللي عنده 16 سنة، كان واقف في الطرقة بيلبس الكوتشي بتاعه، وشنطته متعلقة على كتف واحد. خلصت واجب التاريخ يا يوسف؟ سألته وأنا بمسح إيدي في المريلة. أيوة يا ماما. مسك الجاكيت الكحلي بتاعه، ومال باس خدي وقال لي أشوفك بالليل.
وبعدها قفل الباب، واختفى. وقفت قدام الشباك أراقبه وهو ماشي في الشارع لحد ما غاب عن عيني تماماً. في الليلة دي، يوسف مارجعش البيت.
آخر مرة شفت فيها يوسف، كان واقف في الطرقة بيودعني بابتسامته الهادية. محطتش في بالي وقلققت في الأول؛ يوسف ساعات كان بيتأخر في المدرسة عشان بروفات المزيكا مع أصحابه، أو يروح يقعد في الجنينة يشم هوا لحد ما الليل يليل. كان دايماً يبعت لي رسالة، بس قلت يمكن تليفونه فصل شحن أو نسي يشحنه.
قلت لنفسي الكلام ده وأنا بجهز العشا، وأنا باكل لوحدي، وأنا بغسل المواعين وبشيل طبقه في الفرن عشان يفضل دافي. لكن لما الشمس غابت تماماً، وأوضته فضلت فاضية وهادية بشكل يقبض القلب، مقدرتش
اتصلت بتليفونه.. الجرس رن وبعدها دخل على البريد الصوتي علطول. برضه قلت لنفسي بلاش قلق في الأول. على الساعة عشرة، كنت سايقة عربيتي وبلف في شوارع المنطقة، وبدور عليه في كل ناصية ومحل. على نص الليل، كنت قاعدة في قسم الشرطة ببلغ عن اختفاء ابني.
الظابط قعد يسأل أسئلة ويدون ملاحظات، وفي الآخر قال لي ببرود يا مدام زينب، المراهقين في السن ده ساعات بيطفشوا يومين تلاتة.. خناقة مع الأهل، حاجة من دي يعني. يوسف مش كدة يا فندم! قصدك إيه؟ يوسف طيب وحساس جداً.. ده من النوع اللي لو حد خبط فيه هو اللي بيعتذر!
الظابط ابتسم لي ب تعاطف كدة، وقال هنعمل المحضر يا فندم ونوزع النشرة. بس كنت شايفة في عينيه إنه بيقول لنفسه أم تانية منهارة فاكرة إنها عارفة ابنها، وهي في الحقيقة ماتعرفش عنه حاجة. ومكنتش أتخيل أبداً إن الظابط ده كان عنده حق.. لدرجة توجع.
تاني يوم الصبح، كنت قدام باب مدرسة يوسف. المدير كان راجل ذوق، وسمح لي أشوف تفريغ كاميرات المراقبة اللي على البوابة الرئيسية. كان لسه فاكرني الأم المذعورة اللي ماتعرفش ابنها. قعدت في مكتب صغير وضلمة، وشاهدت الفيديو بتاع الظهرية اليوم اللي فات.
دفعات من الولاد والبنات خارجين من باب المدرسة في مجموعات، اللي بيضحك، واللي بيزق صاحبه، واللي عينه في الموبايل. وفجأة.. شفت يوسف. كان ماشي جنب بنت. للحظة، مكنتش عارفاها.. لكن لما لفت وشها وبصت وراها عشان تتأكد
مايا، همست بالاسم وأنا جسمي كله بيترعش.
مايا كانت بتزور يوسف في البيت كام مرة.. كانت هادية، مؤدبة زيادة عن اللزوم، وبطريقة تخليكِ تحسي إنها دايمًا حذرة وهي بتتكلم.
في الفيديو، شفتهم وهما ماشيين سوا لحد موقف الأتوبيس، ركبوا ميني باص واختفوا من كادر الكاميرا تماماً.
التفت للمدير بلهفة أنا محتاجة أتكلم مع مايا.. ضروري يا أستاذ، ممكن توصلني بيها؟ المدير بص لي بأسف وقال مايا مابقتش طالبة عندنا في المدرسة.. هي نقلت فجأة، وده كان آخر يوم ليها هنا.
ركبت عربيتي وطرت على عنوان بيت مايا اللي كنت عارفاه. خبطت على الباب، فتح لي راجل، باين عليه التعب والهم. ممكن أشوف مايا لو سمحت؟ كانت مع ابني يوسف في اليوم اللي اختفى فيه.. محتاجة أعرف لو قال لها أي حاجة.
الراجل كشر وبص لي بنظرة طويلة غريبة، وفجأة ملامحه اتقفلت كأنه بيخبي سر ورا وشه. مايا مش هنا.. هي قاعدة مع جِدها وجِدتها في البلد بقالها فترة. بدأ يقفل الباب، وبعدين وقف ثانية وقال هبقى أسألها لو تعرف حاجة، ماشي؟
وقفت مكاني مش عارفة أقول إيه، غريزتي كانت بتقولي إني لازم أضغط أكتر، بس مكنتش عارفة إزاي.. والباب اترزع في وشي.
الأسابيع اللي جت بعد كدة كانت أسود أيام حياتي. علقنا صور يوسف في كل حتة، في الشوارع، على عواميد النور، ونشرنا في كل جروبات الفيسبوك بتاعة المفقودين وأهالي حدائق القبة. الشرطة دورت هي كمان، بس مع مرور الشهور، النفس بدأ يقل،
بس أنا كنت عارفة ابني كويس؛ يوسف مش من النوع اللي يختفي من غير كلمة، وعمري ما هبطل تدوير عليه مهما حصل.
بعد سنة تقريباً، كنت في محافظة تانية عشان اجتماع شغل. كنت غصب عني بحاول أرجع لشبه حياة طبيعية الشغل، السوبر ماركت، مكالمة أختي كل يوم حد بليل. بعد ما خلصت اجتماعي، دخلت كافيه صغير أشرب قهوة. وقفت عند الكاونتر مستنية طلبي، وفجأة الباب اتفتح ورايا.. لفيت وبصيت.
دخل راجل عجوز، كان بيتحرك ببطء، وبيعد الفكة اللي في إيده، وكان لابس هدوم تقيلة عشان البرد، وشكله كان يوحي إنه مشرد أو ملوش سكن. وكان لابس جاكيت ابني!
مش جاكيت شبهه، لأ.. ده هو بالظبط الجاكيت اللي يوسف خرج بيه يومها. عرفته فوراً مش بس من لونه، لكن من الرقعة اللي على شكل جيتار اللي كنت مخيطاها بإيدي فوق قطع في الكم.. وحتى بقعة البوية البيضاء اللي ورا لسه موجودة زي ما هي.
شاورت للكاشير وقلت بصوت بيترعش حساب الشاي والعيش بتاع الراجل ده عليّ.. ضيفهم لطلبي. الكاشير هز راسه، والراجل العجوز التفت لي وقال كتر خيرك يا ست هانم، كلك ذوق..
قاطعته وأنا عيني مش نازلة من على الجاكيت إنت جبت الجاكيت ده منين؟
حاسب، الشاي والعيش بتاع الراجل ده على حسابي. الكاشير بص لي باستغراب وهز راسه، والراجل العجوز التفت لي وعينه تاييهه كتر خيرك يا بنتي.. ربنا يجبر بخاطرك.
قربت منه خطوة وهمست بصوت مخنوق الجاكيت ده.. جبته منين؟