اختفاء بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
رقعة الجيتار وقال ببساطة فيه ولد هو اللي أداهولي. قلبي اتنفض شعر بني؟ سنّه حوالي 16 سنة؟ هز راسه بالموافقة أيوه.. هو.
في اللحظة دي، الكاشير نده على الطلبات، ودخل زبون ببدلة وواحدة لابسة جيبة ضيقة وقفوا بيني وبين الراجل العجوز. حاولت أتفاداهم وأعدي، لكن في ثانية كان الراجل اختفى من قدامي! بصيت يمين وشمال في القهوة.. لمحت طرف الجاكيت وهو خارج للرصيف. استنى! أبوس إيدك استنى!.. جريت وراه.
حاولت أحصله، لكن الرصيف كان زحمة جداً؛ الناس كانت بتوسع له هو، لكن بتقفل الطريق قدامي أنا. بعد شارعين، لاحظت حاجة غريبة الراجل العجوز ده مأوقفش ولا مرة يطلب فكة من حد، ولا حتى وقف ياكل العيش أو يشرب الشاي اللي اشتريتهوله.. كان ماشي بخطوات سريعة وليها هدف.
غريزتي قالت لي بلاش تجري وراه، خليكي ماشية وراه من بعيد لبعيد. وفعلاً، فضلت ماشية وراه لحد أطراف المدينة، بعيد عن الزحمة والمحلات. وقف قدام بيت قديم مهجور، جنينته مليانة شوك وحشائش كأن محدش دخلها من سنين. الراجل خبط على الباب خبطات خفيفة.
قربت أكتر بحذر، وفي لحظة الراجل لف وشه، فاستخبيت ورا شجرة بسرعة قبل ما يشوفني. سمعت الباب بيفتح، وصوت الراجل العجوز وهو بيقول إنت قلت لي أقولك لو حد سأل عن الجاكيت..
طلعت راسي من ورا الشجرة براحة.. وأول ما شفت اللي واقف على الباب، حسيت إني هيغمى عليّ. يوسف!.. صرخت وطلعت أجري ناحية الباب وأنا بترعش.
ابني رفع عينه.. وشفت فيهم رعب مش فرحة. لمحت خيال حد بيتحرك ورا يوسف جوه البيت. يوسف بص وراه،
يوسف! استنى يا حبيبي!.. زودت سرعتي، وعديت من جنب الراجل العجوز ودخلت البيت وراه. سمعت باب بيترزع بقوة. جريت في الطرقة ودخلت المطبخ، وفتحت الباب الوراني في اللحظة اللي شفت فيها يوسف وبنت معاه بيجروا ناحية الغابة اللي ورا البيت.
جريت وراهم وأنا بصوت باسمه، لكن كانوا أسرع مني بكتير.. لحد ما غابوا عن عيني تماماً. ضعت.. وضاعوا مني تاني.
روحت على أقرب قسم شرطة وأنا منهارة، حكيت للظابط كل حاجة. بص لي باستغراب وسألني طب وهو يهرب منك ليه يا مدام؟ قلت له بدموع مش عارفة.. بس أرجوك ساعدني ألاقيه قبل ما يختفي تاني. رد عليّ هنعمل نشرة فورية في المنطقة ونقلب الدنيا عليه.
قعدت على كرسي في الصالة، كل ما الباب يفتح جسمي يتشنج. الأسئلة كانت بتلف في دماغي زي الساقية طب لو ركب أتوبيس وسافر؟ طب لو ضاع مني للأبد؟ هل دي كانت آخر فرصة؟
على نص الليل، الظابط قرب مني وقال لي لقيناه.. كان قريب من محطة الأتوبيسات، وهما جايبينه في الطريق دلوقتي. حسيت إن روحي ردت فيّ والبنت اللي كانت معاه؟ رد ببرود كان لوحده.
دخلوا يوسف أوضة صغيرة للمقابلة. أول ما دخلت وشفت وشه، مكنتش عارفة إني بعيط غير لما حسيت بالدموع مغرقة وشي. إنت عايش يا يوسف.. إنت مش فاهم أنا جرالي إيه؟ ولما لقيتك أخيراً.. ليه هربت مني؟
بص للترابيزة اللي قدامه بمنتهى الحزن وقال أنا مهربتش منك يا أمي. أومال جِريت ليه؟ والبنت اللي كانت معاك؟ رفع عينه اللي كانت مليانة وجع وقال أنا جِريت
يوسف كمل كلامه وبدأ يحكي لي كل حاجة..
في الأسابيع اللي سبقت اختفاء يوسف، مايا كانت بدأت تثق فيه وتحكي له أسرارها. حكت له إن جوز أمها بقى شخص عصبي جداً ومحدش يتوقع تصرفاته، كان بيزعق ويكسر العفش والحاجة كل يوم بالليل تقريباً. قالت لي إنها مش قادرة تقعد في البيت ده ثانية واحدة كمان، يوسف كمل كلامه وهو باصص في الأرض كانت مرعوبة يا أمي.
قلت له وأنا بفتكر أنا أعتقد إني قابلته.. رحت بيتهم أسأل عليكي، وراجل هو اللي فتح لي الباب، وقالي إن مايا قاعدة مع جِدها وجِدتها في البلد. يوسف هز راسه بأسى كدب عليكي.. هو كداب.
رجعت بضهري على الكرسي وأنا مش مصدقة كل ده يحصل؟.. طب ليه مابلغتوش مدرس في المدرسة؟ وإيه علاقة ده بإنك تهرب وتختفي سنة كاملة؟ يوسف وشه انكمش من الوجع وقال مايا كانت فاكرة إن محدش هيصدقها، وأنا.. أنا مكنتش عارف أعمل إيه. وبدأ يحكي بلهفة يومها جت المدرسة وهي مجهزة شنطتها، وقالت لي إنها ماشية الظهرية دي ومش راجعة تاني.. حاولت أقنعها بلاش، لكنها مسمعتش كلامي وصممت.
فعشان كدة رحت معاها؟ سألته. مكنتش أقدر أسيبها تروح لوحدها يا أمي.. كنت عاوز أتصل بيكي مية مرة. وليه ما عملتش كدة؟ عشان وعدت مايا إني مش هقول لمخلوق إحنا فين.. كانت فاكرة إن لو حد لقط طريقنا، هيرجعوها البيت غصب عنها للراجل ده.
سألته وأنا بحاول أجمع خيوط الحكاية وطيب والنهاردة؟ لما شفتني في البيت المهجور، جِريت ليه؟ كنت خايف الشرطة تلاقيها وتاخدها.
حطيت إيدي على شعري وأنا
بصيت له بذهول يعني كنت عاوزني ألاقيك؟ هز كتافه بحيرة مش عارف.. يمكن. كنت واعد مايا إني مش هتكلم، بس.. مكنتش عاوزك تفتكري إني ضعت للأبد. عمري ما قلت لها إني عملت كدة مع الراجل العجوز، كانت هتفتكر إني خنتها.
بعد كام يوم، الشرطة قدرت توصل لمكان مايا. وأول ما الظباط اتكلموا معاها لوحدها، الحقيقة كلها ظهرت. اتفتح تحقيق رسمي، وجوز أمها اتمت ملاحقته قانونياً واتشال من البيت، ومايا اتحطت تحت رعاية وحماية قانونية. ولأول مرة من فترة طويلة، مايا بقت في أمان.
بعد كام أسبوع، كنت واقفة على باب الصالة وبراقبهم وهما قاعدين على الكنبة. كانوا بيتفرجوا على فيلم في التليفزيون، وطبق الفشار بينهم. كانوا باينين زي أي ولاد طبيعيين في سنهم.
قضيت سنة كاملة فاكرة إن ابني اتبخر من الدنيا، إنه مشي من غير كلمة ولا بص وراه. لكن الحقيقة إن ابني مهربش.. على الأقل مش بالطريقة اللي الناس كانت فكراها. هو فضل جنب حد كان خايف ومحتاج سند، في كل مدينة، وفي كل ملجأ، وفي كل مبنى مهجور وبرد.. عشان
هو يوسف، الولد اللي مبيعرفش يسيب حد يواجه مصيره لوحده.
وكان كمان الولد اللي ساب جاكيت كإشارة للي بيحبوه عشان يمشوا وراها. وأنا النهاردة، حقيقي سعيدة وممتنة إني مشيت ورا الإشارة دي.
كانوا باينين قدامي ولاد عاديين..
تمت