حماتي تطمع في بيتي بقلم نرمين همام
بسم الله والصلاه والسلام على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم
حماتي تطمع في بيتي بقلم نرمين همام
يوم ما بدأت حماتي تقيس أركان بيتي وكأنه شقتها اللي جابتها من ورث أبوها، فهمت وقتها إن جوازي في خطر، وإن المركب دي داخلة على غرق.
اسمي هناء، وطول عمري كنت فاكرة إن مشاكل الحموات والبيوت دي بتحصل للناس التانية بس، للستات اللي بنسمع قصصهم في الراديو وإحنا بنغسل المواعين وبنقول يا ساتر يا رب. مكنتش أتخيل أبداً إن حكايتي هتبدأ في يوم تلات عادي، بمتر قياس وردي وابتسامة نصر مرسومة على وش حماتي.
دخلت عليها أوضة الضيوف، لقيتها ماسكة المتر وبتقيس كل زاوية بتركيز غريب، وكأن المكان بقى ملكها خلاص. كانت بتتمتم بالأرقام وصوتها واطي، ومركزة لدرجة إنها مشافتنيش وأنا واقفة على الباب. في دماغها، الأوضة كانت خلاص اتفرشت بعفشها هي، وذكرياتها هي، وطريقتها هي في العيشة.
قالت أخيراً من غير ما تبص لي حتى بصي يا هناء، الحيطة دي لازم تتهد. لما ننقل هنا الشهر الجاي هنحتاج مساحة واسعة عشان الصالون المذهب بتاعي.
حسيت بكهربا في جسمي كله، ورمشت بعيني وأنا مش مصدقة اللي سمعته تنتقلوا فين يا حاجة صفية؟
رفعت عينها وبصت لي بضيق، كأني عيلة صغيرة قاطعتها وهي بتعمل حاجة مهمة أنا وحماكي يا بنتي.. شريف قال لنا إن البيت ده هيكون لينا. إحنا خلاص اتكلمنا مع مهندس ديكور، وشوية تعديلات بسيطة وهيبقى جنة نقضي فيها أيام المعاش براحتنا.
وداني بدأت تصفر من الصدمة. البيت ده اللي في العجمي على البحر، مكنش مجرد شقة عادية. ده الحاجة الوحيدة اللي طلعت بيها من ريحة أبويا الله يرحمه. هو اللي بناه طوبة فوق طوبة، وشقي فيه بعد ما بقى أرمل عشان يأمّن لي مستقبلي. هناك قضيت أحلى أيام صيفي، كنت بتنفس ريحة اليود وأتعلم إن الوحدة ساعات بتبقى ونس.
قلت بصوت واطي وبحاول أتحكم في أعصابي بس البيت ده بيتي أنا.. ملكي أنا يا حاجة.
ضحكت ضحكة صفرا فيها تعالي غريب يا خبر يا هناء! متكبريش الموضوع.. إنتي وشريف واحد، واللي ليكي ليه واللي ليه ليكي. بلاش تعملي دراما على الصبح وتنكدي علينا.
كلمة بلاش دراما دي وجعتني أكتر من أي شتيمة. فين شريف؟ سألتها بجمود. في البلكونة مع المهندس.. تعالي، عشان تاخدي على الفكرة وتتعودي.
مردتش عليها. مشيت في الطرقة ورجلي شايلاني بالعافية. من
كان بيقول للمهندس أبويا وأمي يستحقوا كل خير.. تعبوا طول عمرهم عشاني، والبيت ده أقل حاجة أقدمها لهم عشان يرتاحوا.
وقفت ورا باب البلكونة الإزاز. المهندس كان بيهز راسه بالموافقة، وحمايا قاعد بيشرب سيجارة في صمت، وشريف بيشاور على الحيطة اللي أبويا بناها بدم قلبه وعرقه، وكأنه بيشاور على شقة إيجار قديم هيخلص منها.
حسيت بنغزة في صدري خلتني مش قادرة أخد نفسي. دخلت جوه الأوضة وفتحت الدرج اللي شايلاه فيه الفايل الأخضر بتاع بابا الله يرحمه. طلعت ورقة الملكية الأصلية، وصوت الورق وهو بيحك في إيدي كان بيقويني. طلعت البلكونة والورقة في إيدي.
قلت بصوت عالي شريف.. لازم نتكلم. دلوقتي.
التلاتة لفوا بصوا لي. المهندس نزل عينه في الأرض من الكسوف، وحمايا عمل نفسه بيبص في الموبايل، وحماتي الحاجة صفية ظهرت ورايا والمتر لسه متعلق في إيدها. مدّيت الورقة قدام وش جوزي، واسمي كان مكتوب فيها بالبونت العريض.. ملكية خاصة وصريحة.
قلت له فهمني.. إمتى قررت تهادي ببيتي من غير ما تسألني؟
السكوت كان
الكلمة نزلت عليّ زي الصاعقة. إنت بتبتزني بجوازنا؟ عشان بيت أصلاً مش بتاعك؟ رد ببرود ده مش ابتزاز، دي الحقيقة. أبويا وأمي مش هينفع يعيشوا في شقة العمرانية الضلمة دي أكتر من كدة، وهنا الهواء والبحر هيريحوهم.. أنا أخدت قرار منطقي. منطقي لمين؟ إمتى كان منطقي إنك تتصرف في ورثي من غير ما تنطق بكلمة؟
هنا حماتي رفعت راسها وقالت يا بنتي فكري في العيلة مش في الفلوس، أبوكي الله يرحمه كان هيفرح لما يعرف إنه ساعدنا. بصيت لها في عينها وقلت ما تجيبيش سيرة بابا.. هو ساب لي البيت ده عشان أختار حياتي، مش عشان تسكنوا فيه وضع يد.
المهندس استأذن وخلع، وبعد شوية حمايا وحماتي نزلوا وهما بيبرطموا. ليلتها كانت أول مرة ننام منفصلين. قضيت ساعات براجع الورق، والبيت قانوناً ملكيتي الخاصة قبل الجواز. تاني يوم كلمت طارق، زميلي المحامي من أيام الجامعة.
قال لي قانوناً يا هناء محدش يقدر يلمس شعرة من البيت، بس خلي بالك.. اللي بيحلل لنفسه حاجة مش بتاعته ممكن يعمل أي مصيبة. غيري كالون الباب،