كاملة
تغيرت للافضل
كانت نادية واقفة بتمسح الشبابيك الإزاز الضخمة بتاعة المكتب في الدور الأخير من برج في التجمع الخامس. لفت نظرها ظرف لون دهبي فخم محطوط على مكتب الأبانوس الكبير. عينيها البني لمعت وهي بتمسح الزجاج بتركيز، مكنتش تتخيل أبداً إن الظرف ده هو اللي هيقلب حياتها رأس على عقب.
في اللحظة دي، دخل سليم المنشاوي المكتب، وبابتسامة صفرا وباردة فضل يتأمل نادية.. البنت اللي عندها 23 سنة، واللي شغالة عاملة نظافة في شركته بقالها سنتين. سليم كان مرتب كل خطوة في خطة الكسرة اللي ناوي يعملها لها.
عدّل الكرافتة الحرير بتاعته وقال بصوت فيه كبرياء نادية.. تعالي، عايزك في كلمتين.
نادية لفت له وهي ماسكة فوطة التنظيف في إيديها اللي شقيت من كتر الشغل نعم يا سليم بيه؟ تحت أمرك.
سليم كان من نوع الرجالة اللي متعودين ياخدوا كل اللي عايزينه؛ صاحب شركات ووريث ثروة المنشاوي، وعنده 30 سنة وعمره ما سمع كلمة لأ من ست.. لحد ما قابل نادية.
مد إيده بالظرف الدهبي وقال بلطف مصطنع خدي يا نادية.. دي دعوة لحفلة خيرية الأسبوع الجاي، أهم حدث في كايرو السنة دي، والناس الأكابر كلهم هيكونوا هناك.
نادية خدت الظرف وإيديها بترتعش، مكنتش مصدقة اللي شايفاه. الورق تقيل ومحفور عليه حروف بماء الذهب بتقول حفل النجوم في فندق الماسة. قالت بتردد يا بيه.. أنا مش فاهمة، حضرتك بتديني دي ليه؟
رد سليم وكل كلمة بتنقط سم متغلف بضحكة قلت يمكن تحبي تشوفي الناس الناجحة بتعيش إزاي.. ده طبعاً لو عندك الجرأة إنك تيجي وتدخلي وسطهم.
اللي نادية مكنتش تعرفه، إن سليم كان بيخطط للانتقام. من تلات شهور، سليم حاول يتقرب منها في الأسانسير، بس نادية وقفته عند حده بمنتهى الأدب والحزم، وقالت
قالت نادية بهدوء شكراً يا سليم بيه.
وقبل ما يخرج، بص لها بصه كلها استهزاء وقال على فكرة.. الحفلة دي رسمي جداً، والفساتين السواريه الطويلة إجباري.. بس أنا متأكد إنك هتلاقي حاجة مناسبة في دولابك.
لما سليم خرج، نادية فضلت واقفة لوحدها، والظرف في إيدها بيتهز. دموعها نزلت وهي بتقرأ التفاصيل عشاء الفرد فيه بآلاف الجنيهات، ومزاد خيري المزايدة فيه بتبدأ بأرقام خيالية.
بالليل، في شقتها الصغيرة في حي بولاق الدكرور، فرجت نادية الدعوة لصاحبتها في السكن سماح، اللي شغالة شيف في مطعم قريب. سماح بصت للورق الفاخر وقالت باستغراب يا نادية، الكلام ده مش راكب على بعضه. سليم المنشاوي ده يوزع دعوات زي دي عليكي؟ ليه؟
نادية قالت بقلة حيلة يمكن.. يمكن حنّ عليا؟
ضحكت سماح بمرارة يحنّ؟ سليم المنشاوي مبيعملش حاجة لله يا بنتي. عمتي شغالة في فيلا والدته من 15 سنة، وبتحكي بلاوي عن قسوته مع الموظفين. فاكرة السواق اللي طرده عشان غلط في كلمة؟ والسكرتيرة اللي أحرجها قدام الكل؟ ده راجل بيتلذذ بكسرة الناس.
نادية جسمها قشعر وسألتها بصوت واطي أومال إداني الدعوة دي ليه؟
سماح ردت بحزم عشان يذلك يا نادية.. عايزك تروحي غلبانة وبسيطة في وسط الهوانم، عشان يضحك عليكي ويخليكي فرجة للكل.
نادية مسكت الدعوة، وفهمت الحقيقة المرة. إيديها اتقبضت من الغضب وقالت خلاص.. مش رايحة.
كانت لسه هتقطع الورقة، بس سماح مسكت إيدها وقالت بذكاء استني! وليه متكسريش عينه إنتي؟ إيه رأيك لو روحتي هناك وانتي أجمل واحدة فيهم؟ لو قلبتي اللعبة عليه؟
نادية بكت بحرقة بأمارة
سماح سكتت شوية وفكرت إنتي لسه معاكي السلسلة الدهب اللي مامتك الله يرحمها سابتهالك؟
نادية حطت إيدها على رقبتها بتلقائية، السلسلة الرقيقة اللي فيها قلب صغير.. دي الحاجة الوحيدة اللي باقية لها من ريحة أمها. قالت بوجع لأ يا سماح.. دي أغلى حاجة عندي، مقدرش أفرط فيها.
ردت سماح مش هتبيعيها.. هنرهنها أمانة عند صايغ معرفة. خدي الفلوس، اشتري فستان سواريه يجنن، وروحي قولي للراجل المغرور ده إنك بنت ناس وأصل ومعدنك نضيف. وبعدين لما ربنا يكرمك بفرصة أحسن، نرجع السلسلة.
الفكرة كانت صعبة وبتوجع، بس نادية شافت فيها الأمل الوحيد عشان ترجع كرامتها اللي سليم داس عليها.
تاني يوم، نادية نزلت وسط البلد. راحت لمحل صاغة كبير، وقلبها كان مكسور وهي بتفك السلسلة من رقبتها وتسلمها للصايغ. الصايغ وزنها وقال ده دهب عيار 21، ونوعيته نضيفة. أقدر أديكي فيها 5000 جنيه رهن.
نادية وقعت على الأوراق ودموعها في عينيها، ووعدت نفسها إنها هترجع تاخدها مهما حصل. بالفلوس دي، راحت لمحلات البراندات المستعملة البالة الراقية في الزمالك، اللي بتبيع فساتين لمصممين عالميين بسعر أقل.
في تالت محل دخلته، شافت القطعة المنشودة فستان طويل لونه موف غامق أرجواني، مطرز بتطريز رقيق جداً بيلمع زي النجوم، فستان فخم لدرجة إنها خافت تلمسه.
البائعة، ست شيك وذوق جداً، لاحظت توتر نادية، فقربت منها بابتسامة وقالت ده أول فستان سواريه تلبسيه؟ متخافيش.. الفستان ده معمول عشانك إنتي، وهيخليكي ملكة الحفلة.
نادية قاست الفستان، ولأول مرة في حياتها.. شافت في المرايا واحدة تانية
البائعة بصت لنادية بإعجاب وقالت لها الفستان ده حتة فنية، كان بتاع حرم رجل أعمال كبير ولبسته مرة واحدة بس.. مقاسك بالظبط يا بنتي، كأنه متفصل عليكي.
نادية قاست الفستان، وبصت في المرايا ومكنتش مصدقة نفسها. اللون الموف الأرجواني نطق جمال بشرتها وعينيها، والقصة كانت في منتهى الشياكة والرقي. سألت بصوت واطي بكام ده يا مدام؟
الست تأملتها شوية وقالت هو تمنه 8000 جنيه، بس.. عشان وشك السمح ده، وعشان حاسة إنك محتاجاه أكتر من المحل، هتاخديه ب 4500 بس.
نادية دفعت الفلوس وخرجت وهي حاسة بمزيج من الفرحة والرعب. صرفت اللي بقى معاها على جزمة شيك، وعملت شعرها في صالون بسيط جنب البيت.
في الشغل، سليم لاحظ إنها سرحانة، فحب يغلس عليها إيه يا نادية؟ لسه بتفكري في الحفلة؟ يا رب بس متبقيش ضيعتي شقاكي على فستان ملوش لزمة. نادية ردت بثبات متقلقش يا سليم بيه.. هكون هناك في المعاد. سليم استغرب من لهجتها الواثقة، كان مستني يشوف خوف، مش العزيمة دي.
قبل الحفلة بليلة، نادية كلمت جدتها الحاجة غالية في سوهاج. الجدة حست بصوتها يا بنتي، مال حسك فيه قلق كدة؟ فيكي إيه يا ضنايا؟ نادية حكت لها كل حاجة، الجدة سكتت شوية وقالت عارفة يا نادية إن أمك كريمان قضت عمرها كله بتشتغل عند الأكابر؟ نادية قالت عارفة يا ستّي. الجدة كملت بس اللي مكنتيش تعرفيه إنها كانت شغالة عند عيلة مندور باشا. ست البيت كانت بتحبها زي أختها، وبتقول عليها إنها متعلمة وبنت أصول. ولما حملت فيكي، الست عرضت عليها تعيش معاهم، بس أمك كانت عزيزة نفس ورفضت.
الكلمات دي خلت نادية تحس بقوة مكنتش تعرف إنها عندها. يوم الحفلة، جهزت