كاملة وواقعيه
الوتد بقلم الكاتبه نرمين عادل همام
بسم الله والصلاه والسلام على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم
الوتد بقلم الكاتبه نرمين عادل همام
كانت السما بدأت تتكحل بلون الغروب الحزين، والساعة داخلة على ستة. هدى واقفة في المطبخ اللي مساحته متر في متر، صهد البوتاجاز لافح وشها، وإيدها مابتفصلش.. بتقلب في حلة البطاطس بالصلصة وهي بتمسح العرق بطرف طرحتها القطن المبلولة. لسه مخلصة ترويق وكنس، وعضمها بيزيق من التعب، بس كان لازم تدبّر غدوة تسند العيال، حتى لو على قد الحال.
فجأة، تليفونها اللي محطوط على الرخامة صرخ برنة متواصلة.. رنة غريبة خلت قلبها يقع في رجليها. بصت في الشاشة، لقت اسم مستر خالد مدرس الرياضة. سحبت نَفَس طويل كأنها بتستعد لمعركة، وقالت بصوت واطي ومخطوف استرها يارب.. أكيد المصاريف، يارب عديها على خير.
فتحت الخط وحاولت تبان طبيعية أهلاً يا مستر.. خير؟ حمزة جراله حاجة؟ جاءها صوت المدرس زي طلقة الرصاص، ناشف ومفهوش ذرة رحمة يا مدام هدى، أنا لسه مطرد حمزة من السنتر دلوقتي قدام زمايله كلهم. بقالنا أسبوعين بنقول المصاريف يا جماعة، وأنا ورايا إيجار ونور وملازم.. ياريت حمزة ميتعبش نفسه ويجي الحصة الجاية إلا
الكلمات نزلت على ودن هدى زي مية نار بتكوي قلبها. شافت في خيالها ابنها حمزة، الشاطر المتفوق اللي دايماً رافع راسها، وهو واقف وسط زمايله، بيلم كشكوله المهرهر وشنطته، وعينه مكسورة في الأرض، ووشه جايب ألوان من الكسوف وهو خارج مطرود عشان مليم.
بلعت ريقها بصعوبة، وصوتها اتهز وهي بتتحايل حقك عليا يا مستر.. والله العظيم حصلت ظروف والقبض اتأخر شوية. أنا كنت لسه رايحة البنك والمكينة علقت معايا وسحبت الفيزا. ساعة بالظبط وحق الحصة يكون عندك فودافون كاش.. أرجوك يا مستر امسحها فيا واعتبره ابنك، ده حمزة بيحبك وبيدعي لك دايماً.
قفلت السكة وهي حاسة إن الدنيا بتلف بيها. لفت وشها لقت شريف جوزها قاعد في الصالة، حاطط رجل على رجل، وماسك كوباية الشاي بيشفطها بتمزج وهو مركز في ماتش كورة، ولا كأن في حريقة قايدة في البيت.
قربت منه بلهفة مكتومة وصوت مخنوق بالدموع يا شريف.. مكلمتش البشمهندس بتاع شركة المقاولات؟ مش قولتلي هيثبتك الشهر ده وهينزلولك شغلانة تقيلة؟ شريف رد ببرود وهو بيهز رجله مع نغمة الماتش يا هدى هما اللي خسرانين فني شاطر
هدى بصتله بنظرة كلها قهر وعجز. كانت عايزة تصرخ وتقوله ابنك اطرد من درسه، بس عارفة إن الكلام مع شريف زي النحت في الصخر، مبيجبش غير وجع القلب وزيادة النكد.
مسكت طرحتها لفتها بسرعة، وخرجت تجري على السلم كأنها بتهرب من واقعها. نزلت لجارتها وصديقة عمرها أم محمود. خبطت وإيدها بتترعش، وأول ما الباب اتفتح، قالت بكسرة نِفس وخجل ملوش آخر معلش يا أم محمود.. حقك عليا في الطلب ده، بس ممكن أستلف منك 100 جنيه فكة لحد الصبح؟ المكينة غدرت بيا وبلعت الفيزا، وبكرة أول ما البنك يفتح هصرف وأجيبهملك.
أم محمود، الست الأصيلة، حست بالنار اللي في صوت هدى، مكلمتش ولا سألت، دخلت جابت الفلوس وقالتلها خدي يا حبيبتي، عيب عليكي ده إحنا أهل.. البيت بيتك.
جريت هدى في الشارع كأنها بتسابق الزمن، راحت لأقرب كشك، حولت ال 100 جنيه للمدرس وهي بتدعي بقلب محروق. وما هي إلا دقايق، وتليفونها صفر بإشعار على جروب واتساب بتاع الدرس
يا جماعة بعتذر جداً، أنا نسيت إن والدة حمزة بلغتني إن عندها مشوار
هدى أول ما قرت الكلام، سندت ضهرها على الحيطة في وسط الشارع. الدنيا هديت حواليها، ودموعها نزلت شلال، دموع قهر وتعب وحِمل ملوش آخر. مسحت وشها بسرعة وهي طالعة السلم، وشهقت وهي بتدعي في سرها يارب ارزقني برزقهم.. يارب قويني عشانهم، أنا الوتد اللي شايل، ولو وقعت هما هيضيعوا.. يارب استرها.
دخلت هدى الشقة ونهجها لسه مسموع، رمت طرحتها بلهفة وجريت على أوضة حمزة. شافته في ركن الأوضة، كاشش في نفسه وحاطط راسه بين إيده، وجسمه بيتنفض.. عينه كانت حمرة ووارمة من كتر ما كتم العياط والقهره قدام زمايله. هدى قلبها اتعصر، بس شطارة الأم الوتد غلبت وجعها؛ قلبت نبرة صوتها في ثانية لضحك وفرحة مزيفة
يا بطل! إيه اللي مقعدك كدة؟ المستر خالد لسه مكلمني في التليفون وهيموت من الكسوف، قالي إنه كان مضغوط ونسي إننا أهل وحبايب.. قالي حمزة ده ابني الغالي ومن الأوائل. قوم يالا اغسل وشك وكمل مذاكرة، بكرة تطلع دكتور وترفع راسي وتنسينا الأيام دي.
حمزة بص لها بنظرة أكبر من سنه، نظرة واحد فاهم البير وغطاه، وهمس بصوت مخنوق يا ماما أنا