كاملة وواقعيه
الوتد بقلم الكاتبه نرمين عادل همام
أنا شفت المستر وهو بيبص لي، وشفت صحابي.. أنا ممكن أذاكر من اليوتيوب في البيت، مش عايزك تستلفي ولا تذلي نفسك عشان خاطري.
هدى بجمود الأم اللي مابتتهزش، طبطبت على كتفه وقالت بلهجة مفيهاش رجوع اسمع يا حمزة.. طول ما فيا نَفَس بيطلع، مستقبلك ده خط أحمر ومحدش يلمسه. أنا بدبر حالي والرزاق موجود، إنت تذاكر وتنجح بس، وسيب الباقي على اللي مبينايمش حد من غير عشا.. قوم يالا بلاش دلع.
بالليل، المطبخ كان هادي إلا من صوت وش البراد. هدى واقفة بتصب الشاي لشريف اللي كان قاعد في الصالة بيأنتخ بعد ما خلص الماتش. حطت قدامه الكوباية، قعد جنبها وقال بابتسامة باردة شوفتي يا هدى؟ أهي صِفيت واتحلت، والمدرس اعتذر وبقى زي السمن على عسل. إنتي بس اللي غاوية نكد وبتكبري المواضيع، وبتحملي نفسك فوق طاقتها وتهري في أعصابك.. اهدي شوية وبكرة تفرج.
هدى سكتت خالص، مابقتش عايزة تعاتب. شريف في نظر الناس مش وحش؛ لا بيضرب ولا بيشتم ولا عينه زايغة، هو بس مستسلم. راجل طيب بس باله طويل زيادة، يقعد بالشهور من غير شغل، ومستني الرزق يخبط على باب الشقة ويتحايل عليه، وهي اللي بتشيل الطين وتداري خيبته بتدبيرها عشان شكل العيال يفضل نضيف قدام الناس.
قالتله بصوت هادي وفيه رنة حزن يا شريف، العيال بتكبر، والطلبات مابتخلصش.. السعي ده مش اختيار، ده
نام شريف وهو مرتاح البال وضميره نايم في مية مخلل، وفضلت هدى صاحية، عينها في السقف وقلبها شغال. سألت نفسها أطلب الطلاق؟ طب والعيال؟ هيتشتتوا وهكسر خاطرهم. أزعل وأقعد؟ طب ومين هيطبخ ويذاكر ويضحك في وشهم عشان ميحسوش باليُتم وأبوهم عايش؟
في اللحظة دي، هدى خدت قرارها النهائي.. هي هتكون الوتد. هتضحي بصحتها، وراحتها، وأنوثتها، وسلامها النفسي، بس اللمة دي متتفركش، والحيطة دي متقعش.
من تاني يوم، هدى مابطلتش تدبير. قررت تفتح باب رزق من قلب مطبخها. اتواصلت مع جاراتها والموظفات اللي في الشارع، واتفقت تعملهم وجبات بيتي وتجهز خضار متقمع. فجأة المطبخ بقى ورشة عمل.. ريحة المحشي والمخبوزات بتطلع من شقتها الساعة 2 بليل والناس كلها نايمة.
كانت بتنام ساعتين بالعدد في اليوم، وتصحي الفجر، تجهز الطلبات في شنط، وتنزل توزعها على البيوت والمكاتب، وترجع تودي العيال المدرسة وهي بتبتسم في وشهم، رغم إن رجلها مابقتش شايلاها.
وفي يوم، دخل شريف وهو بيصفر وفرحان يا هدى! أبشري، لقيت شغلانة في ورشة محترمة واليومية بتاعتها
هي كانت عارفة في سرها إن شريف ممكن يقعد يومين ويسيب الشغل بحجة إن المعلم صوته عالي أو المكان مش مريح، بس هي خلاص مابقتش مستنية منه يسندها.. هي بقت المؤسسة اللي شايلة البيت، والوتد اللي مغروس في الأرض ومبيتهزش.
ومرت الشهور وهدى زي ما هي، نَحلة مابتفصلش.. إيد بتلف المحشي وإيد بتمسح دمعة تعب، وعين على الولاد وعين على بكرة. وجه أخيراً يوم الحصاد، اليوم اللي كانت هدى بتستلف فيه النَفَس عشان توصله.. حفلة تكريم الأوائل في مدرسة حمزة.
هدى كانت رايحة وطايرة من الفرحة، لابسة أحسن ما عندها، وفرشة وشها بابتسامة منورة رغم الهالات السودا اللي تحت عينها من قلة النوم. وشريف قاعد جنبها ببدلته، فارود ضهره قدام الناس ومنفوش، وعمال يهمس للي حواليه بفخر أنا اللي كنت بسهر معاه.. أنا اللي كنت بتابعه خطوة بخطوة.. حمزة ده طالع لأبوه في الذكاء والاجتهاد.
هدى كانت بتسمعه وبتبتسم بصمت، مكنتش عايزة تفسد عليه فرحته ولا تكسر صورته قدام الناس، المهم عندها إن البيت شكله حلو والكل مبسوط.
فجأة، اسم حمزة شريف شق هدوء القاعة. حمزة طلع على المسرح بخطوات واثقة،
أنا بهدي نجاحي ده لإنسانة واحدة بس.. لأمي. الست اللي علمتني إن السعي أهم من النتيجة. اللي كانت بتحارب في ضهرنا وهي ساكتة ومابتشتكيش.. اللي شالت مسؤولية جبال فوق راسها ودارت تعبها ورا ضحكتها عشان إحنا منتحنيش. إنتي يا ماما الوتد اللي ساند البيت ده.. ومن غيرك إحنا مكنش لينا وجود.
القاعة كلها وقفت تصقف، وهدى في اللحظة دي بكت.. بكت شلالات من الفرحة، بكت التعب اللي راح، والوجع اللي انداوى، والجبر اللي جالها من عند ربنا في صورة ابنها. بصت لشريف اللي كان بيضحك
ويهلل ومبسوط بكلمة ابنه كأنها موجهة ليه هو كمان، وحمدت ربنا من كل قلبها إنها صبرت، وإنها مخربتش بيتها بكلمة طلاق أو زعل كان ممكن يفرق الشمل ده.. لأن النجاح الكبير ده كان محتاج سقف يحميه وبيت يحضنه.
هدى في اللحظة دي عرفت إن الوتد مش بس مهمته يشيل السقف، ده بيغرس جذوره في أعماق الأرض عشان يحمي كل اللي بيحبهم من رياح الزمان الغدارة.
دي مش حكاية هدى لوحدها.. فيه مليون هدى شايلة مسؤولية فوق راسها، وهتفضل هي الوتد اللي شايل البيت ومحافظ على كيانه. ربنا يقدر كل أم وأب على مسؤولية أولادهم..
تمت بقلم الكاتبة