كاملة وممتعه
بيت العمر بقلم الكاتبه نرمين عادل همام
في الحلة، وصوت المية.. بعد شوية، هبة قالت هو قالي إنك مش عايزاني أملك أي حاجة. قلبت الشوربة وإنتي صدقتيه؟ وطت راسها جزء مني صدقه. هزيت راسي لأن الحقيقة محتاجة مساحة حتى لو بتوجع ليه؟
هبة مسحت عينيها وقالت لأنك بعد الطلاق اتغيرتي.. بقيتي حريصة قوي في الفلوس، وبقيتي قوية بزيادة ومخفية حياتك عننا.. أنا افتكرت إنك مابقتيش محتاجاني في حياتك.
كنت هسيب المعلقة من إيدي.. ده كان الوجع اللي تحت الوجع.
يا هبة، أنا بقيت قوية لأني مكنش قدامي حل تاني.. مش معنى إني قوية إني مابقتش محتاجة بنتي في حياتي.
هبة بدأت تعيط بانهيار تاني، بس المرة دي أنا اللي مديت إيدي ليها... كان فيه أم وبنت في مطبخ واحد.
تاني يوم الصبح، هبة قامت وعملت الفطار الساعة 7. البيض كان مالح زيادة، والقهوة كانت خفيفة قوي، والفاكهة كانت متقطعة كأنها كانت في خناقة مش بتتقشر بالسكينة.. بس حطت الطبق قدامي بإيديها الاتنين الفطار جاهز يا ماما. دقت البيض وحاولت مابينش إني متضايقة من الطعم وقلت لها محتاجة تدريب. ضحكت ضحكة صغيرة مكسورة، بس كانت حقيقية.
خلال التلات أيام اللي بعدهم، البيت اتحول لغرفة عمليات ومحكمة. هبة أدلت بأقوالها، والمحامي إبراهيم قدر يوصل ل مروة مراته الأولى في المنصورة، وطلعت ست غلبانة ضحك عليها هو كمان. والمفاجأة إن فيه ستات تانية ظهروا أول ما عرفوا إن وائل المنشاوي اتمسك في قضية نصب. كل الحكايات كانت شبه بعضها راجل شيك، كلام معسول، قصة حب سريعة، فرصة استثمار، إمضاء على ورق، وبعدين فص ملح وداب.
واحدة خسرت تحويشة عمرها، وواحدة كانت هتخسر شقتها، ومروة كانت بتحاول بقالها سنتين تثبت إنه فتح حسابات باسمها وسحب قروض. هبة كانت بتسمع كل ده وهي حاسة إن الدنيا بتمطر فوق دماغها وهي عريانة من غير غطا. على اليوم الرابع، بطلت تدافع عن نفسها.. وده كان أهم حاجة. فيه ناس بتعتذر بس عشان العواقب، لكن هبة بدأت تفهم الوجع اللي ورا العواقب دي.
يوم الجمعة الصبح، لقيتها في الجنينة بتشد الحشيش
بعد أسبوعين، وائل اتوجهت له تهم رسمية بتزوير أوراق، ومحاولة نصب، وانتحال صفة. وحساباته في البنك اتجمدت. هبة رفعت قضية فسخ عقد زواج عشان بطلان الإجراءات. الموضوع مكنش فيه دراما أفلام، كان فيه ورق، ومحامين، وكسرة عين، وشغل تقيل عشان تنضف حياتها من السم ده.
في يوم، دخلت المطبخ ومعاها ظرف تقيل ماما، أنا مضيت على كل حاجة.. واديت للأستاذ إبراهيم نسخ من الرسايل اللي كان وائل بيبعتها لي عشان يضغط عليكي تبيعي البيت. بصيت لها وأنا بشرب الشاي ده هيساعدنا قوي. قالت بصوت واطي وفيه حاجة تانية.. حطت كشف حساب بنكي على التربيزة. بنتي كانت مدياله فيزا لحساب توفير أنا مكنتش أعرف عنه حاجة، وسحب منه أغلب الفلوس في أول أيام جوازهم. بصيت للأرقام وبعدين لوشها كام؟ داخلين في 2 مليون جنيه.
غمضت عيني بوجع. هبة حاولت تبتسم بس فشلت كنت فاكرة إني بستثمر في مستقبلنا. زقيت الورق ناحيتها بالراحة وقلت لأ.. إنتي كنتِ بتدفعي مصاريف الجامعة. بصت لي باستغراب ودموع جامعة إيه؟ أغلى درس في حياتك يا بنتي الكاتبة نرمين عادل همام
عدت الشهور.. حكاية وائل مخلصتش بسرعة، لأن ناس زيه بيسيبوا بقع صعبة تطلع. بس البيت فضل بتاعي. كل يوم الصبح أفتح الستائر وأبص للجنينة وأفكر نفسي إن الحيطان ممكن تشيل وجع بس مش لازم تبقى سجن. ساعات البيت بيعيش لما الست اللي جواه تبطل تطلب إذن عشان تدافع عنه.
هبة نقلت في شقة صغيرة في أكتوبر. مش لأني طردتها، بس لأنها اختارت تقف على رجليها. اشتغلت سكرتارية في عيادة سنان، شغلانة زمان كانت هتشوفها أقل من مستواها. أول مرة
بقت بتجيلي كل يوم حد. في الأول كانت بتستأذن قبل ما تلمس أي حاجة.. قبل ما تفتح ضلفة في المطبخ، قبل ما تقعد على كرسيها القديم. قلبي كان بيوجعني بس سبتها تستأذن.. الحدود مابتبقاش قاسية إلا للناس اللي استفادت لما مكنش فيه حدود.
بالراحة، يوم الحد بقى يوم المحشي.. وبعدين يوم الجنينة.. وبعدين يوم القهوة في التراس. مصبحناش أصحاب في يوم وليلة، لأن السماح الحقيقي مش زرار بندوس عليه، ده باب بنصلحه مفصلة مفصلة.
بعد حوالي 8 شهور، هبة جات ومعاها كرتونة صور قديمة ممكن أوريكي حاجة؟ كانت صور ليها وهي عندها 5 سنين، وصور ليا وأنا شايلاها بعد حفلة المدرسة، وصور كلبنا القديم وهو نايم جنبها في الشمس. قالت وهي بتبص للصور أنا اكتشفت إني كنت فاهمة البيت ده غلط. إزاي؟ كنت فاكرة إنه دليل إنك معاكي أكتر مني.. بس طلع دليل إنك اديتيني كل اللي تقدري عليه الكاتبة نرمين عادل همام
طلعت جواب مكتوب بخط إيدها.. مش رسالة موبايل، جواب حقيقي. حكت فيه عن غيرتها، وعن إنها فهمت استقلالي وقوتي غلط وافتكرتها رفض ليها. وفي الآخر كتبت جملة خلت عيني تحرقني أنا مش عايزة بيتك يا ماما.. أنا عايزة أرجع لثقتك تاني، حتى لو فضل الموضوع ده ياخد بقية عمري كله.
أخدت إيدها بين إيديا ده أول طلب صادق أسمعه منك من زمان.. والمسامحة هتيجي، بس بالراحة.
بعد سنة من يوم فطار وائل، بدأت المحاكمة. هبة وقفت وشهدت ضده بكل قوة. لبست فستان بسيط، وصوتها كان ثابت. حكت للمحكمة إزاي هو لعب على نقط ضعفها، وإزاي زور الأوراق من ورايا. وكيل النيابة سألها سؤال أخير ليه قررتي تشهدي ضده وتدمريه؟ هبة بصت لي.. ولثانية القاعة كلها اختفت، وبقت بنتي الصغيرة اللي بتدور
وائل اتحكم عليه بالسجن في كذا قضية. وهبة مرجعتش ال 2 مليون جنيه بتوعها، بس بطلت تتكلم عنهم كأنهم مصيبة.. بقت تسميهم مصاريف الجامعة زي ما قلت لها الكاتبة نرمين عادل همام
بعد سنتين من واقعة الدوسيه الأسود، صحيت قبل الفجر. مش عشان حد طلب فطار.. عشان عايزة أشوف جنينتي والهدوء اللي فيها. عملت قهوتي وطلعت التراس. البيت كان هادي بس هدوء سلام، مش هدوء وحدة.
كنت حدثت أوراق الوصية بتاعتي. مش عشان أدّي هبة البيت كجايزة على الغدر،
ولا عشان أمثل إن اللي فات محصلش.. عملت حاجة تانية خالص. البيت هيفضل ملكي طول حياتي. وبعد عمري الطويل، البيت هيتحول ل دار استضافة للستات اللي اتعرضوا للنصب أو الغدر العائلي أو الاستغلال المادي. وهبة مش هتكون المالكة.. هبة هتكون المديرة اللي بتساعد الستات دول.
لما قلت لها، عيطت أكتر من يوم ما وائل اتمسك وقالت أنا مستاهلش ده يا ماما. بست راسها وقلت لها فعلاً.. بس إنتي تقدري تبقي الست اللي تستحق تشيل الأمانة دي.
ودي كانت البداية الجديدة. البيت اللي وائل قاله عليه مش مستغل صح، بقى مليان أكتر من أي وقت فات. مش بمستأجرين، ولا بسياح أجانب، ولا برجالة بيقيسوا الحيطان عشان يحسبوا الأرباح.. بقى مليان بستات بيفتكروا أسماءهم تاي، وبيعرفوا إن كرامتهم فوق أي بيت.
هبة قعدت جنبي على طرف المشاية في الجنينة وسألتني ندمتي إنك خليتيني أبات الليلة دي يا ماما؟ بصيت للغروب وقلت لها ساعات.. هزت راسها وهي فاهمة، فكملت بابتسامة بس عمري ما ندمت إني خليتِك إنتي اللي تعملي الفطار تاني يوم.
ضحكت، والمرة دي الضحكة مكنش فيها أي كسوف. دي قصة الست اللي افتكروها ضعيفة عشان هادية.. والأم اللي افتكروها وحيدة عشان عايشة لوحدها.. والبيت اللي افتكروه عقار وهما مش فاهمين يعني إيه ذكرى. دي حكاية الصبح اللي بطلت فيه أخدم ناس جايين على سفرتي ومعاهم سكاكين مستخبية في ورقهم.
حصري بصفحة الكاتبه
تمت بحمد الله