جزء اول

حضور غائب ج1 بقلم نرمين عادل همام

لمحة نيوز

دخلت قلبي وغلغلت جواه. حبيته بالتدريج، وبعدين حبيته فجأة وبكل قوتي. كان بيبعت لي ورد المكتب لما أخلص شغل تقيل. سافر معايا طنطا لما والدي عمل عملية في القلب وفضل واقف جنبي. كان فاكر إني بكره الكزبرة وبحب الأغاني القديمة. بكى في جنازة جدته ومخباش وشه. لما عربيتي عطلت في صلاح سالم، جه في عشرين دقيقة ونزل ببدلته الغالية يشوف العيب فين وهو ميفهمش حاجة في المواتير.
أمي أول ما شافته قالت لي الجدع ده راجل يا هنا. وأمي مكنتش بتشكر في حد بسهولة.
اتجوزنا في مايو 2017 في فيلا كبيرة في المنصورية.
300 عزيم، أنوار في كل حتة، وورد أبيض مالي المكان. والدته ليلى كانت لابسة فستان شيك جداً وبكت وهي ماسكة الميكروفون بليل عشان تبارك لنا. قالت ابني ده طول عمره وش السعد، وربنا كان دايماً معاه.. ودلوقتي ربنا رزقه ب هنا.
كل الناس صقفت. وأنا ابتسمت. كنت فاكرة وقتها.. إنه بجد إنسان يتحب
أنا مكنتش فاهمة وقتها إن حب الناس الزيادة ممكن يمثل خطر على راجل متعود إن أي مكان يدخله، الناس بتوسع له فيه وتعمل له ألف حساب.. راجل معتبر إن الدنيا دي ملكه والكل مجرد كومبارس في حياته.
لفترة من الوقت، كان زواجنا كويس. مش مثالي.. بس كان ماشي.
اشترينا بيت واسع في
التجمع بحديقة صغيرة ومطبخ إيهاب حلف إنه هيجدده ويخليه مودرن أول ما الشغل يهدى شوية.. ودي كانت نكتة، لأن الشغل عمره ما هدي أبداً. عزمنا العيلة كلها في أول رمضان يدخل علينا في البيت ده. اختلفنا واتخانقنا على ألوان الحوائط. سافرنا الجونة والساحل في الويك إند. وقعدنا نحلم ونخطط إننا نجيب تلات عيال، ويمكن أربعة لو اتجننا وربنا فتحها علينا.

وبعدين بدأنا المحاولة.
في السنة الأولى، كان الناس بيقولوا لنا اهدو بس.. الموضوع بييجي بالراحة، متبقوش مستعجلين، لسه في أول جوازكم.
دخلنا في السنة الثانية، وبدأ الكلام يتغير
إيه يا هنا، مفيش حاجة جاية في السكة؟ طب جربتي تتابعي مع دكتورة كويسة؟ طب جربتي تحسبي أيام التبويض بالظبط؟
الأسئلة بدأت تنهش في هدوئي، وإيهاب بدأ انشغاله بالشغل يزيد، وكأن الهروب في العقود والمقاولات كان أسهل بكتير من إنه يواجه نظرة القلق اللي في عيني كل شهر.
في السنة التالتة، الناس بطلت تتكلم خالص. السكوت بيبقى أحياناً أصعب من الأسئلة. محدش بيقولك ال تأخير بيعمل إيه في الأيام العادية. الكل بيتكلم عن دكاترة النساء والتوليد، والحقن، والمصاريف، والتحاليل.. 
لكن محدش بيتكلم عن وقفتك في الصيدلية جنب واحدة بتشتري بامبرز
وتحسي إن قلبك اتعصر تاني. محدش بيتكلم عن اللحظة اللي بيبقى فيها الأمل نفسه حاجة تكسف، بعد ما خذلك ميت مرة.

خسرت أول حمل وأنا في الأسبوع التاسع. والتاني وأنا في الشهر التالت.
في المرة الثانية، إيهاب خدني في حضنه وأنا واقعة على أرضية الحمام، وبترعش لدرجة إن سناني كانت بتخبط في بعض. للأمانة، هو مهربش من الحزن ده وقتها.. فضل قاعد جنبي، كلم الدكتورة، ألغى كل مواعيد شغله، وسابني أغرق قميصه بدموعي.
بس إيهاب كان له طبع غريب.. بيبقى حاضر وموجود بكل مشاعره في الخبطات الكبيرة واللحظات الدرامية، لكنه بيختفي ويرجع لنفسه لما اللحظة تكون محتاجة صبر وتضحية يومية مملة. الحزن بالنسبة له كان عاصفة يقدر يقف فيها بشجاعة.. لكن الخنقة والروتين اليومي كان أصعب عليه بكتير.
بعد سبع سنين جواز، ومرتين إجهاض، وتلات دكاترة كبار، وجولة حقن مجهري فشلت تماماً لدرجة إني بطلت أتكلم أسبوع كامل.. قررنا نجرب لآخر مرة.
في صباح يوم خميس في أغسطس 2023، عملت اختبار حمل قبل ما أنزل الشغل. شرطتين.. إيجابي. عملت واحد تاني.. إيجابي. قعدت على الأرض والاتنين في إيدي، وهمست من كل قلبي يا رب.. المرة دي يكمل على خير.
لما طلعت أقول لإيهاب، كان في المطبخ بيعمل قهوة وبيرد على
إيميلات الشغل. 

حطيت الاختبارين قدامه على الرخامة. بص لهم وهو متنح.. وبعدين غطى وشه بإيديه الاتنين وقعد يعيط..
الراجل الكبير الواثق ده، اللي بيمضي عقود بملايين من غير ما يتهز له جفن، انحنى على رخامة المطبخ وقعد يعيط زي العيال. لفيت دراعي حواليه، ولأول مرة من سنين، سمحت لنفسي أصدق إننا خلاص بقينا في أمان.
سميناها حبيبة قبل حتى ما نعرف إنها بنت. لأن الاسم ده هو اللي كان بيوصف حالتنا وقتها.. إنها حبيبة قلوبنا اللي استنيناها العمر كله. على شهر يناير، كنت في الخامس، وبدأت أخيراً أصدق إن فيه طفل بجد هييجي في نهاية كابوس الخوف ده. وقتها إيهاب فتح موضوع الحفلة.
كنا على السرير، حاطة مخدة تحت بطني، ورجلي كانت وارمة، وفاتحة اللابتوب بشوف عربيات أطفال Strollers كأنها متصممة في وكالة ناسا من كتر تفاصيلها. قال لي بحذر 
بقولك إيه.. كنت بفكر في عيد ميلادي الأربعين. بصيت له عيد ميلادك؟ صحح لي الكلمة كأنه بيتكلم عن إنجاز قومي الأربعين يا هنا.. دي مرحلة تانية خالص في حياة الراجل. قلت له أكيد. قال لي أنا مش عايز مجرد عشا.. أنا عايز أحتفل بجد. حفلة تليق بالاسم والمكانة. صحاب، عيلة، عملاء مهمين.. مش مجرد حفلة، ده حدث مهم في حياتي.
قفلت
اللابتوب وبصيت له إيهاب.. ميعاد ولادتي يوم 9 أبريل. 

رد بسرعة كأنه كان محضر
تم نسخ الرابط