جزء اول

حضور غائب ج1 بقلم نرمين عادل همام

لمحة نيوز

الرد وعيد ميلادي 12 أبريل.. أنا عارف. بس البكرية دايماً بتأخر، مش كدة؟ حتى الدكتورة قالت كدة. قلت له قالت ممكن تتأخر. قال لي بالظبط.. ولو حصل أي تغيير، هنعدل كل حاجة. باس كتفي وكمل أنا مش طالب منك تشيلي هم ولا تخططي لحاجة.. أنا هجيب شركة تنظم كل حاجة. أنتِ بس هتيجي تقعدي زي الملكة بجمالك ده وأنتِ حامل.
كنت عايزة أفرح له.. بجد كنت عايزة. إيهاب كان بيحلم بتمة الأربعين دي زي ما الناس بتحلم بيوم المعاش. هو طلع من عيلة فقيرة جداً لدرجة إنهم كانوا بيعدوا لقمة العيش، ودلوقتي عايز قاعة، ومزيكا، وفيديو بيعرض قصة نجاحه.. عايز يثبت لنفسه وللعالم إنه وصل. قلت له ماشي. وده كان أول غلطة غلطتها.
الغلطة التانية كانت إني افتكرت إن موافقتي دي معناها نفس اللي هو فاهمه. على شهر فبراير، ال حفلة اتحولت ل مهرجان. جاب شركة تنظيم حفلات، والبنت اللي بتنظم بقت تتكلم بمصطلحات غريبة زي الرؤية البصرية ولحظة الإرث. قائمة المعازيم زادت من 75 ل 150، وبعدين وصلت ل 200 شخص! 
والمكان اتغير من قاعة صغيرة في مطعم، ل جراند بالروم في فندق 5 نجوم في وسط البلد. بقى فيه فرقة مزيكا، ودي جي، وبوفيه مفتوح، ومصورين فوتوغرافيا وفيديو، وتورتة عملاقة متصممة مخصوص، وفيلم تسجيلي مجمعين فيه كلمات من صحابه وشركاه في الشغل.
إيهاب غرق في التفاصيل لدرجة إنه نسي إن الحدث الأهم بجد مش في القاعة.. الحدث الأهم كان بيتحرك جوه بطني.
في الوقت ده، وأنا في الشهر السابع، كنت قاعدة بحاول أركب سرير البيبي، وإيهاب واقف في الطرقة مابيسيبش التليفون من على ودنه. ناديت عليه ممكن تمسك معايا الخشبة دي ثانية واحدة؟ قرب وهو لسه بيتكلم في التليفون يا حبيبتي، أنا بكلم مهندس الإضاءة دلوقتي، ثانية واحدة. قلت له 
السرير ده فيه 38 قطعة ومحتاجة حد يسند معايا. عمل لي حركه بوقه بمعنى
معلش واختفى تاني في الطرقة. قعدت متربعة على السجادة وبطني ضاغطة على رجلي، وقعدت أربط في المسامير لحد ما صوابعي وجعتني.

ليلتها كلمت أختي رشا. قلت لها ده بيخطط للحفلة كأنه بيترشح لانتخابات مجلس الشعب! رشا سكتت شوية وقالت قلتي له إنك خايفة؟ آه. قلتي له بجد وبوضوح، ولا كنتِ بتهزري عشان ميحسش إنه مقصر؟ كنت بكره إن الأخوات بيعرفوا اللي جوانا من غير ما نتكلم. قلت لها يمكن كنت بهزر شوية.
يا هنا، قولي له تاني، ومن غير ما تخبي الحقيقة عشان تحميه.
وعملت كدة فعلاً. تاني يوم بعد العشا، وقفت معاه في المطبخ وهو بيغسل الأطباق. قلت له محتاجة إنك تسمعني بجد. قفل الحنفية فوراً وبص لي سامعك. الحفلة يوم 12 أبريل. وميعاد ولادتي 9 أبريل. الفرق بينهم تلات أيام يا إيهاب. قال لي عارف. لأ، أنا عايزاك تحس بالرقم ده بجد مش مجرد تاريخ في الأجندة. لو جالي الطلق في الويك إند ده، أنا عايزاك معايا. مش بعد الكلمة اللي هتقولها، ولا بعد العشا، ولا بعد التورتة.. عايزاك معايا من أول لحظة. ملامحه هديت، وقرب مسك إيدي يا هنا، أنا مستحيل أختار حفلة وأسيبك. يبقى أجلها.
أخد نفس طويل وقال يا حبيبتي.. أدينا بدأنا.. لأ اسمعيني.. العربونات اتدفعت، والناس حاجزة طيران وجاية من السفر، وأمي عزمت طوب الأرض. مش هينفع نلغي كل ده عشان احتمال. سحبت إيدي منه احتمال؟ ولادة بنتك بقت احتمال؟ قال لي مش قصدي كدة.. أنا قصدي لو الولادة بدأت، هسيب كل حاجة وأمشي فوراً. تليفوني مش هينفع من إيدي، ومحمود شريكي هيشيل الليلة، ومنظمة الحفل موجودة. هكون عندك في المستشفى في 15 دقيقة. من وسط البلد لحد مصر الجديدة في 15 دقيقة؟ خلاص، خليها 20 دقيقة لو الطريق واقف. الطريق دايماً واقف يا إيهاب. هكسر إشارات يا ستي.. أوعدك، لو احتاجتيني هكون جنبك.
ولأني بحبه، ولأننا عدينا بحاجات كتير سوا، ولأني
كنت عايزة أصدق إن أبو بنتي هيعرف إمتى يبطل يكون نجم الحفلة ويبقى جوزي.. صدقته.

يوم 12 أبريل بدأ بهدوء غريب. صحيت الساعة 6 الصبح بوجع في أسفل ظهري. مش وجع قوي، بس زي إنذار. إيهاب كان صاحي، واقف قدام الدولاب بيختار بين قميصين بيض. 
بص لي وقال إيه رأيك؟ فكرت في سري كأنك راجل رايح مشوار بعيد.. مشوار مش راجع منه. قلت له زي القمر. ابتسم وسألني بناتي عاملين إيه؟ كويسين. بص لي بتركيز متأكدة؟ هزيت راسي ب آه، رغم إن جسمي كان بيقول لي إن الساعة بدأت تعد. قرب باس راسي وقال تليفوني مفتوح طول اليوم. محمود عارف، وأمي عارفة، والكل عارف. لو رنيتي، هطير وأجيلك. في 15 دقيقة؟ في 15 دقيقة.
الساعة 704 بالليل، جالي أول وجع حقيقي. كنت واقفة في أوضة البيبي بطبق الهدوم الصغيرة. مسكت في الدولاب واتنفست بالعافية من قوة الوجع. لما الوجع راح، 
بصيت في الساعة. بعدها ب 15 دقيقة، جه وجع تاني. كلمت إيهاب. رد بعد تالت رنة، وصوت المزيكا كان عالي جداً وراه. أهلاً يا جميلة، كله تمام؟ الوجع بدأ. صوت الدوشة هدي شوية، كأنه دخل في طرقة وجع إيه اللي بدأ؟ الطلق يا إيهاب. 
بين كل واحدة والتانية قد إيه؟ 15 دقيقة. قال لي طيب.. طيب.. كلمتي الدكتورة؟ أنا بكلمك أنت! عارف، كلميها وشوفي هتقول إيه وقولي لي. أنا ممكن أمشي دلوقتي لو احتاجتيني. لو؟ يا هنا.. غمضت عيني تعالى البيت يا إيهاب. سكت لحظة وقال الحفلة هتبدأ رسمي كمان أقل من ساعة. والناس بدأت توصل. خليني أتأكد إنك فعلاً بتولدي قبل ما أمشي وأخض الناس كلها.
ضحكت ضحكة مكنتش شبهي خالص تخض الناس؟ أنتِ فاهمة قصدي. كلمي الدكتورة أرجوكِ. أنا مش بتهرب، بس مش عايزك تقعدي في الطوارئ 10 ساعات وأنا ممكن ألم الليلة دي بسرعة وأجيلك هناك. كررت كلمته بمرارة تلم الليلة بسرعة.. يا حبيبتي متعمليش كدة.. أنا جاي،
ساعتين بالكتير. 

ساعتين.. الراجل اللي وعد ب 15 دقيقة بقى محتاج ساعتين.
كلمت رشا. جت لي في 22 دقيقة وهي لابسة ترينينج ونازلة تجري، ووشها بيقول إنها مستعدة تعمل جريمة. سألتني فين البيه؟ في الحفلة. رشا جزت على سنانها، فقلت لها متقوليش حاجة. أنا مقلتش، وشي هو اللي بيقول.. ودي ميزة عشان أوفر وقت.
على ما وصلنا المستشفى، كان الوجع بييجي كل 10 دقائق. رشا ركنت العربية أي كلام، وشالتني تقريباً لحد الباب. الممرضة كارلا استقبلتني، ست في الخمسينات، هادية وشاطرة، ومن عينيها باين إنها شافت ميت راجل بيخذل ميت ست. سألتني فين الأب؟ قلت لها في الطريق. رشا بصت للحائط ونفخت.
الساعة 831 بليل، كلمته تاني. صوت المزيكا المرة دي كان أعلى بكتير. يا حبيبتي، عاملة إيه؟ أنا في المستشفى.. الوجع كل 7 دقائق. 7 دقائق؟ طب لسه بدري، مش كدة؟ 
متسمعنيش كلام الدكاترة وأنت في قاعة رقص! أنا بس بحاول أفهم.. أنا محتاجاك هنا يا إيهاب. سمعت حد بيصرخ وبيهزر وراه، إيهاب غطى التليفون بس سمعت ضحكته. قال لي الفيلم التسجيلي هيبدأ كمان شوية.. أمي تعبت فيه أوي. اديني ساعة واحدة.. ساعة واحدة وهكون عندك.
بصيت لحيطة المستشفى الباردة وقلت له لو مكنتش في الأوضة دي المرة الجاية اللي أشوف فيها وشك.. فيه حاجة بينا هتتكسر للأبد. هنا، متقوليش كدة. ساعة واحدة.. أنت اللي قلت. وقبل ما يرد، قفلت السكة.
الممرضة دخلت تطمن عليا. مسكت إيدي وقالت لي أنتِ شاطرة يا حبيبتي.. وأقوى بكتير من اللي أنتِ حاسة بيه دلوقتي. الساعة 940 بليل، مية الراس نزلت. الساعة 1003، الوجع مبقاش حاجة ينفع أتنفس معاها، بقى حاجة لازم أحارب عشان أعيش. كنت ماسكة إيد رشا بإيد، والممرضة بالإيد التانية. 
الدكتورة وصلت وقالت واضح إن الست حبيبة قررت تشرف يوم 12 أبريل. رشا برطمت يوم عيد ميلاد أبوها!
والدكتورة سكتت بذكاء.

كلمت إيهاب الساعة 1017.. مفيش رد.
تابع للجزء الاخير

تم نسخ الرابط