كاملة
شويه ملح بقلم الكاتبه نرمين عادل همام
شويه ملح بقلم الكاتبه نرمين عادل همام
كانت في عملها حين رن الهاتف. الاسم الذي أضاء الشاشة لم يكن عاديا كان اسم ابنتها. بسمه.
تجمد شيء في صدرها قبل أن ترد ذلك الإحساس الغامض الذي يسبق الكارثة بلحظة. ما إن ضغطت زر الإجابة حتى وصلها صوت مرتجف مكسور بالكاد يفهم.
ماما
كان نداء لا يشبه أي نداء سمعته من قبل.
خرجت من الاجتماع وقفت في ممر المستشفى الطويل والجدران البيضاء من حولها بدت أضيق من المعتاد. حاولت أن تثبت صوتها.
في إيه يا بسمه حصلك إيه
جاء الرد متقطعا محملا ببكاء مكتوم.
حمايا ضربني. علشان الأكل كان مالح. وطارق كان واقف شاف كل حاجة وما قالش ولا كلمة.
في تلك اللحظة توقف الزمن. تجمد الدم في عروقها وشعرت وكأن العالم كله انكمش إلى جملة واحدة ضربني.
بسمه ابنتها الوحيدة. الطفلة التي ربتها وحدها بعد وفاة أبيها التي كانت تعويضها الوحيد عن رجل رحل وترك فراغا لا يملأ.
قالت بحزم لم تعرف من أين أتى
اقفلي على نفسك يا بسمه. أوضتك. دلوقتي. أنا جاية.
لم تنتظر ردا.
خلعت زي التمريض ارتدت ملابسها على عجل وخرجت من المستشفى دون أن تشرح شيئا لأحد. الطريق كان قصيرا بشكل مخيف أو ربما كانت هي التي تقود أسرع من المعتاد لا ترى الإشارات لا تسمع الأبواق لا تشعر إلا بالغليان الذي يسري في جسدها.
كانت تعرف يوسف والد زوج ابنتها. رجل متسلط صوته أعلى من الجميع ويده كما يبدو أسرع من ضميره. كانت ترى كيف يعامل زوجته هدى كيف يكسرها بالكلمات قبل أن يكسرها بالصمت. رأت كل العلامات وتجاهلتها.
وأنا السبب.
أوقفت السيارة بعشوائية أمام البناية. فتحت الصندوق الخلفي وأخرجت شيئا لم تتخيل يوما أنها ستحتاجه من أجله. صعدت السلالم بخطوات ثقيلة كل درجة تحمل معها غضبا مكبوتا منذ شهور.
طرقت الباب ثلاث مرات. طرقات حاسمة لا تقبل التراجع.
فتح يوسف.
في اللحظة التي وقعت فيها عيناه على ما تحمله تغير وجهه. اختفى التعالي وحل محله شحوب صادم. تراجع خطوة إلى الخلف دون وعي.
لم تقل شيئا. دفعت الباب ودخلت.
رائحة الملوخية ما زالت عالقة في الجو تختلط ببخور الظهيرة. هدى ام طارق كانت جالسة في الركن وجهها شاحب دموعها حبيسة منذ سنوات. نظرت إليها نظرة سريعة ثم ثبتت عينيها على يوسف.
بسمه فين
لم يجب.
بسمه فين!
أشار بيده المرتجفة نحو الممر.
لم تنتظر. طرقت باب الغرفة برفق هذه المرة.
بسمه افتحي. أنا هنا.
فتح الباب ببطء. ظهر وجه ابنتها منتفخ العينين وعلى خدها الأيسر علامة حمراء واضحة. صفعة.
كان ذلك كافيا.
ضمتها بقوة شعرت بجسدها يرتجف بين ذراعيها.
خلاص خلاص يا حبيبتي. أنا هنا. محدش هيقربلك تاني.
داخل الغرفة كان طارق جالسا على طرف السرير رأسه منكس صامتا. لم تنظر إليه. لم يكن دوره بعد.
لمي هدومك. إنتي جاية معايا.
بس يا ماما الناس
الناس مش أهم من كرامتك.
خرجت إلى الصالة. يوسف واقف متيبس. الصمت بينهما كان أثقل من أي صراخ.
إنت ضربت بنتي
تجاهلها.
ضربتها علشان ملوخية
كانت قليلة الأدب.
ضحكت ضحكة قصيرة مرة.
الأدب بيتعلم بالضرب ولا دي طريقتك مع الستات
رفعت يدها قليلا. المسجل كان
كل كلمة قلتها متسجلة. وصدقني أنا ما عنديش حاجة أخسرها.
تراجع.
خرجت بسمه بحقيبتها الصغيرة. أمسكت يد أمها.
قبل أن تغلق الباب جاء صوت هدى خلفهما مكسورا
أنا آسفة سامحيني.
لم ترد. أومأت فقط.
في السيارة بعد صمت طويل قالت بسمه
شكرا يا ماما.
شدت على يدها.
أنا أمك. وده مش فضل.
كانت تعرف أن ما حدث ليس نهاية الحكاية بل بدايتها فقط.
كانت حياتها معه سلسلة من الخيبات لم يكن إلى جوارها في أحلك لحظاتها. احتضنتها بقوة وقلت لها بهدوء حاسم
إنت بأمان دلوقتي ومش هترجعي البيت ده تاني على الأقل مش قبل ما طارق يثبتلي إنه يستاهلك وقبل ما أبوه يفهم إن اللي عمله مرفوض تماما.
جفت دموعها قليلا وسألتني بصوت خافت طب والناس هيقولوا إيه لما يعرفوا إني سبت بيت جوزي
نظرت إليها بحزم الناس هتتكلم في كل الأحوال سواء عملت الصح أو الغلط. المهم إنك إنت تبقي عارفة إنك عملت الصح وإن كرامتك وسلامتك أهم من أي كلام.
بقينا في الغرفة لحد المساء. اتكلمنا كتير وبكت أكتر وأنا حاولت على قد ما أقدر أهون عليها. في المساء حضرت لها أكل بسيط لكنها ما كانتش عايزة تاكل قالت إن معدتها لسه مشدودة من التوتر. قعدنا قدام التلفزيون لكن ولا واحدة فينا كانت بتتابع فعلا. عقولنا كانت في مكان تاني.
الساعة تسعة بالليل تليفوني رن. بصيت على الشاشة اسم طارق. بصيت لبسمة وكانت هي كمان شايفة الاسم. هزت راسها بسرعة كأنها بتقول ما ترديش. لكني قررت أرد كنت عايزة أسمع هيقول إيه.
رفعت التليفون وقلت بنبرة جافة أيوه
جالي
قلت ببرود هي بخير بخير أكتر بكتير من وهي في بيتكم.
سكت لحظة وبعدين قال أنا آسف على اللي حصل. عارف إني غلطت بس أرجوك خليني أتكلم معاها.
بصيت لبسمة ولسه بتهز راسها بالرفض. قلت له هي مش عايزة تتكلم دلوقتي. بس لو حابب تشوفها ممكن تيجي بكرة لوحدك من غير والدك. ساعتها ممكن نتكلم.
تردد ثانية وبعدين قال حاضر. أجي بكرة بعد الضهر لو مناسب.
مناسب.
قفلت التليفون. بصيت لبسمة طارق جاي بكرة. لازم تقرري إنت عايزة تقولي له إيه.
هزت راسها ببطء. ما كانش في عينيها حماس بس تعب وحزن تقيل. ساعدتها تنام وقعدت جنبها لحد ما غطت في النوم. بعدها خرجت بهدوء وقعدت في الصالة رأسي مليان أسئلة هيقول إيه هيعتذر بجد هيقدر يحميها المرة الجاية
تاني يوم صحيت بدري رغم إني ما نمتش كويس. حضرت الفطارفول وبيضوسمعت باب أوضة بسمة بيتفتح. خرجت لابسة قميص نوم قديم ووشها لسه شايل آثار العياط.
صباح الخير.
قدمت لها شاي أحمر وقعدنا ساكتين. بعد الفطار استحمت ولبست فستان أزرق فاتح حاولت تخبي علامة الضربة بالمكياج لكن الاحمرار كان لسه باين.
حوالي الساعة 11 جرس الباب رن. بصت لي بتوتر هو جه بدري
يمكن.
فتحت الباب. طارق كان واقف قميص أبيض وبنطلون كحلي وشه شاحب وعينيه مرهقين. دخل ببطء وبص حواليه لحد ما شاف بسمة قاعدة على الكنبة. حاول يقعد جنبها لكنها بعدت. لاحظ وقعد قدامها.
قلت بحزم قبل أي كلام أنا مش هسمح لبسمة ترجع البيت ده من غير ضمانات حقيقية
قال وهو باصصلها أنا عارف وأنا آسف. ما توقعتش