قصة وعبرة

وفائي لأمي بقلم نرمين عادل همام

لمحة نيوز

وفائي لأمي بقلم نرمين عادل همام
اسمي سامح عندي 40 سنة وناس كتير شايفيني الابن اللي ما عملش حاجة. لسه ما سافرتش ما جمعتش فلوس وما اتجوزتش زي إخواتي.
احنا ثلاثة إخوة
طارق الكبير دكتور قلب مشهور عايش في فرنسا من عشرين سنة.
مهند الأوسط مهندس بترول في الخليج ومرتبوا زي شركة صغيرة.
وأنا... سامح اللي فضل في البيت أتكفل بوالدي.
تخرجت من كلية تجارة إنجليزي بتقدير جيد وكان نفسي أسافر وأبني حياتي زي إخواتي.
لكن في نفس سنة التخرج والدي جاله جلطة دماغية وقعده في البيت وبعدها بسنة بدأت ماما تظهر عليها أعراض الزهايمر.
إخوتي حزموا شنطهم وسافروا يبنوا حياتهم بعيد وتركوا البيت كله عليا.
كنت بحاول أكون موجود معاهم في كل حاجة أحضر المناسبات عن بعد أكلمهم على طول لكن كل مرة كنت بحس إني واقف في الفراغ كأن حياتي متجمدة. البيت كله هادي إلا صوت ماما اللي ساعات بتنسى وأنا حاسس بالعجز إني مش قادر أعمل حاجة.
كنت قاعد على الكنبة قدام الشباك أبص على الشارع اللي تحت وأفتكر أيامنا واحنا صغار لما كان الضحك مالي البيت والبيت كله حيوية. دلوقتي كل حاجة صمتها ثقيل وصوتها أحيانا يوجع أكتر من أي حاجة تانية.
وفي يوم وأنا بجمع أوراق الفواتير ماما نادت عليا بصوت ضعيف ومرهق
يا سامح تعال هنا شوية مش عارفة أعمل إيه.
ركبت السلم بسرعة وقفت جنبها مسكت إيدي وقالت بارتباك
يا

ابني حاسه إني هنسى كل حاجة ومش عارفة حبايبك فين.
ابتسمت لها بحنان وقلتلها
ولا يهمك يا ماما أنا معاك دايما ومهما حصل هاعمل اللي أقدر عليه.
في اللحظة دي حسيت بحاجة غريبة حاجة خلت قلبي يخفق بسرعة ودماغي تفكر لازم آخد خطوة لنفسي وللعيلة. مش بس أتابع اللي فات لكن أبدأ أشتغل على مستقبلي حتى لو لوحدي وأثبت لنفسي إني قادر أكون المسؤول. شعور بالخوف ممزوج بعزم وحس إني عايز أثبت لنفسي قبل أي حد تاني.
قالوا لي يوم السفر
سامح انت الأصغر والبيت بيتك اهتم بوالديك وإحنا هنبعتلك فلوس كل شهر.
ومن ساعتها اتقلبت حياتي. من شاب عنده أحلام وطموح بقيت ممرض منزلي وطباخ وعامل نظافة في نفس الوقت. كل يوم كان تقيل وكل سنة كانت بطية.
مرت السنين ببطء ثقيل وأبويا مات وبقيت لوحدي مع ماما اللي بدأت تنسى اسمي واحدة واحدة.
جربتوا قبل كده تبصوا في عين أمكم وهي بتسألكم مين انت يا بني
ده شعور بيقتل الروح ببطء بيخلي قلبك يتقطع كل مرة.
إخوتي كانوا بيرسلوا الفلوس بانتظام وده حاجة ما نقدرش ننكرها لكنهم كانوا فاكرين إن الفلوس تحل كل حاجة
وفائي لأمي بقلم نرمين عادل همام
هل محتاج دوا خد فلوس
تعبت من التنضيف استأجر خدامة.
لكنهم ما فهموش إن مريض الزهايمر مش محتاج حد غريب هو محتاج ابنه يمسك إيده لما تصرخ من الخوف نص الليل كل يوم.
إخوتي اتجوزوا وأنجبوا أطفال ما يعرفوش عن
جدتهم غير من الصور. وأنا ما اتجوزتش. مين هتقبل برجل حياته كلها مكرسة لتنضيف أمه وإطعامها وتغيير هدومها
شبابي ضاع بين جدران البيت القديم وحسيت بالوحدة بعمق.
وقبل أسبوع ماما ماتت. ماتت وهي ماسكة إيدي وكانت اللحظة الوحيدة اللي تذكرت فيها اسمي وقالت رضيت عليك يا سامح.
النهارده كنت بأعيط زي الطفل جنبها ساعتين بلا توقف كل دمعة كانت بتحرق جوا قلبي. شعوري بالحب بالحزن وبالندم كله مجتمع في اللحظة دي.
ولما أخيرا تمالكت أعصابي بصعوبة كلمت إخوتي باللي حصل. حضروا الجنازة وكل واحد كان شايف الدنيا بعينه وأنا حاسس بمزيج من الحزن الخيبة والارتياح إن الموضوع انتهى بطريقة منظمة.
وصلوا في عربيات فارهة متأجرة لابسين بدل سودا شيك ونضارات شمس مستخبية وراها عيون ما نزلتش منها دمعة واحدة.
كانوا بيتقبلوا العزا كأنهم أصحاب المصيبة واقفين واثقين راسهم مرفوعة وأنا قاعد في ركن بعيد مهدود هدومي بسيطة وشعري اللي الشيب دخله بدري من التعب والسهر والخوف.
كنت حاسس إني غريب وسطهم كأني واحد مالوش علاقة بالمكان ولا بالناس اللي واقفة.
وبعد العزا بيوم واحد بس
قالولي إننا لازم نقعد ونتكلم في شوية حاجات قبل ما يسافروا ويرجعوا لعيلهم وحياتهم.
قعدنا في الصالة.
البيت كان لسه شايل ريحة أمي صوتها خطواتها وأنا قلبي كان لسه مفجوع.
طارق اتكلم بصوته الواثق المعتاد
اسمع يا
سامح ربنا يرحم ماما بس الحياة لازم تكمل. أنا ومهند قررنا نبيع البيت. المنطقة بقت تجارية وسعر المتر فيها بقى خرافي.
مهند قاطعه وهو بيلف مفتاح عربيته بين صوابعه بلا مبالاة
أيوه ده حقنا الشرعي. وبعدين البيت كبير عليك لوحدك وانت أصلا مش معاك فلوس تصرف عليه. نبيعه ونقسم الفلوس تلاتة. نصيبك هيبقى كويس تشتري شقة صغيرة تتجوز أو تفتح مشروع.
كنت سامعهم ومش مصدق.
حسيت الأرض بتلف بيا.
وفائي لأمي بقلم نرمين عادل همام
تبيعوا بيت العيلة
صوتي طلع مبحوح.
بيت أبونا وأمنا والريحة لسه فيه أمكوا لسه ما نشفش تراب قبرها يا مهند!
طارق رد ببرود قاتل
ما تبقاش عاطفي زيادة عن اللزوم. الذكريات في القلب إنما العقارات للبيع. إحنا متفقين مع مشتري خلاص والمحامي جاي دلوقتي نمضي العقود ونخلص حصر الميراث.
في اللحظة دي حسيت بغربة عمرها ما دخلت قلبي قبل كده.
دول مش إخواتي اللي كبرت معاهم.
دول تجار شايفين البيت صفقة وأمي رقم وأنا عبء.
حاولت أتكلم أعترض أصرخ
لكنهم هجموا علي.
مهند قال جملة عمري ما أنساها
سامح خليك واقعي. إحنا اللي كنا بنصرف عليك وعلى البيت 15 سنة. انت كنت عايش بفلوسنا. ما تمثلش دور الضحية دلوقتي. خد نصيبك واشكرنا إننا ما حسبناش عليك أكل وشرب السنين دي.
الكلام نزل على دماغي زي الصاعقة.
بيعايروني بلقمة العيش
أنا
اللي ضيعت مستقبلي.
اللي ما اتجوزتش.

اللي ما بنيتش أسرة.
اللي كنت بمسح دموع أمهم كل ليلة وهي بتصرخ من
تم نسخ الرابط