قصة وعبرة
وفائي لأمي بقلم نرمين عادل همام
الخوف
دلوقتي يقولولي إحنا اللي كنا بنطعمك
حسيت قلبي اتكسر حتت.
ما قدرتش أتكلم.
ما بقاش للكلام أي معنى.
سكت.
وفي السكوت ده كان في وجع أكبر من أي صريخ.
دخلت أوضتي جمعت هدومي في شنطة قديمة وبصيت على صور ماما المعلقة على الحيطان وودعتها بنظرة مليانة حزن واشتياق.
لما خرجت لقيت المحامي وصل. راجل وقور صديق قديم للعيلة اسمه الأستاذ فاروق.
إخوتي واقفين مبتسمين له جاهزين يمضوا العقود.
شافني كريم وأنا شايل شنطتي وقال
إنت رايح فين استنى لحد ما تمضي وتستلم الشيك بتاعك.
رديت بصوت مبحوح وكأن قلبي محروق
مش عايز منكم حاجة. بيعوا اللي تحبوه.
وهممت أمشي.
فجأة
ضرب الأستاذ فاروق على الترابيزة بيده وقال بصوت عالي
يا أحمد! تعال هنا اياك تمشي!
وبص بصوت ناري على كريم ومازن وقال
أنتو مش هتبيعوا أي حاجة.
مازن ابتسم بتوتر
يعني إيه يا أستاذ فاروق إحنا الورثة والبيت مسجل باسم الوالدة رحمه الله.
فتح الأستاذ فاروق شنطته ببطء شديد وطلع ملف قديم مهترئ.
وقال بصوت واثق
أنتو مش ورثة البيت ده لأن والدتكم رحمه الله ماكنتش مالكة البيت من 15 سنة.
ساد صمت ثقيل في الغرفة كل واحد فيها اتجمد وأنا كنت حاسس بقلبه بيتوقف لحظة عن النبض.
المحامي رفع
البيت ده تم بيعه بعقد نهائي ومسجل في الشهر العقاري من الوالد والوالدة للمشتري أحمد عبد العزيز أخوكم.
عيون إخوتي اتسعت من الصدمة وصرخ كريم
مستحيل! ده تزوير! إزاي أحمد يشتري البيت وهو مش معاه تمن رغيف! ضحك على ماما وهي مريضة وخلاها تمضي العقد
وقف المحامي وقال بحدة
احترم نفسك يا دكتور! إنت كدا بتشكك في ذمتي أنا
وبعد لحظة كمل بنفس النبرة
العقد تم توقيعه قبل مرض الوالدة وقبل وفاة الوالد بسنة.
بص لي وقال
تحب أنا أقول لهم القصة ولا تحب تقول أنت يا أحمد
كنت قاعد ساكت منهك والدموع ماليه عيني. أشرت له إنه يكمل هو.
المحامي بدأ يحكي القصة اللي أنا أخفيتها جوايا سنين
من 15 سنة والدكم كان واقف على حافة أزمة مالية كبيرة كاد يتسجن. كان عليه ديون شيكات وكان مهدد يبيع البيت في المزاد ويبان كل حاجة للناس.
والدكم ما حبش يخبركم لأنكم كنتم لسه في بداية حياتكم برا وخاف تسيبوا مستقبلكم أو تبعتهلوا مدخراتكم اللي تعبتوا فيها.
لذلك لجأ والدكم ليك يا أحمد.
أنت كنت جمعت مبلغ كويس من شغلك التجاري بعد التخرج وكنت بتجهز نفسك للسفر والزواج.
لما عرفت بالمشكلة ضحيت بكل حاجة.
أديت لوالدك كل مليم عندك عشان تسدد
والدكم أصر يكتب البيت باسمك مش بيع ده حق ليك لأنك أنقذت شرف العيلة. بس انت حطيت شرط واحد.
المحامي بص لإخوتي المذهولين وكمل
شرط أحمد كان ما تعرفوش حاجة طول ما أبوكم وأمكم عايشين عشان ما تحسوش إن أبوكم انكسر وما تحسوش بالفضل ده عليكم.
المحامي كمل وهو باصص لهم بثبات
أحمد ما كانش عايش بفلوسكم يا أساتذة. أحمد كان شغال من البيت سنين طويلة أونلاين مترجم ومحاسب قانوني بيصرف على نفسه بنفسه. والفلوس اللي كنتم بتبعتهاله كان بيحطها في حساب بنكي لوحده باسم مصاريف علاج الوالدة وما لمسش منها ولا جنيه واحد لنفسه.
طلع كشف حساب من الملف ورماه قدامهم على الترابيزة.
دي فلوسكم وزادت كمان بالفوايد. أحمد ما خدش منها مليم حتى وهو بيلبس أرخص هدوم وبيأكل أبسط أكل.
وش كريم اصفر فجأة بقى شاحب كأن الدم انسحب منه.
مازن وقع على الكرسي ضهره اتكسر كأنه اتلقى ضربة قاضية.
بصوا عليا.
بس المرة دي نظرتهم ما كانتش استعلاء.
كانت خزي وكسوف وفضيحة.
كانوا بيبصوا للمالك
اللي طول عمرهم فاكرينه خادم.
قومت على مهلي.
ما حستش إني عايز أجادل ولا أشمت.
كنت تعبان تعبان
قلت لهم بصوت هادي
أنا ما عملتش كل ده عشان بيت ولا ورث. عملته عشان أبويا كان ضهري وأمي كانت روحي.
وبهدوء كملت
البيت ليكم.
رميت المفتاح على الترابيزة وقلت
أنا مش عايز بيت يفكرني إن إخواتي كانوا مستعدين يرموني في الشارع.
خدوا البيت وخدوا الفلوس واقسموهم زي ما تحبوا. أنا ماشي أدور على مكان أتنفس فيه بكرامة وحرية.
شيلت شنطتي واتجهت ناحية الباب.
وفجأةوفائي لأمي بقلم نرمين عادل همام
كريم جري ورايا.
الدكتور الجراح الكبير كان بيعيط.
مسك إيدي وباسها قدام المحامي وقدام الجيران اللي اتلموا على الصوت
سامح أرجوك ما تمشيش سامحنا يا أخويا إحنا ما نستاهلش حتى نبوس جزمتك.
مازن كان قاعد على الأريكة عيونه مليانة دموع وبيخبي وشه بين إيده.
في اللحظة دي حسيت إني كسبت حاجة أغلى من البيت أغلى من الملايين.
كسبت نفسي كسبت حريتي وكرامتي.
فضلت في البيت مش لأني سامحتهم تماما الجرح محتاج وقت عشان يبرأ.
لكن لأن كريم ومازن رفضوا يسافروا.
أقسموا إنهم ما يغادروش لحد ما يعوضوني عن كل دقيقة ألم عشتها.
الدرس اللي تعلمته وعايز أقوللكم عليه
ما تحكموش على الناس من ظاهرهم.
اللي أنتم شايفينه فاشل ممكن يكون العمود اللي من غيره كان البيت هينهار.
والتضحية الصامتة ساعات بتكون أعلى درجات النبل.
وفائي لأمي بقلم نرمين عادل همام
تمت